الكاتب د. محمود لطفي
في عوالم موازية، كم تمنى أن يحيى فيها، أو أن يكون جزءاً منها! حين يقوم بالسباحة ورياضة الغطس السطحي، ويتابع عالم البحار من أسماك وشعب مرجانية، يأخذه شعور بالتمرد على كونه إنساناً، ويراوده شعور بأنه في الحقيقة ينتمي إلى هذا العالم أكثر من انتمائه لعالمه. ولكنَّه سرعان ما يتذكر أن الأسماك وعالمها يشبه كثيراً عالم البشر، حيث الكبير يستلذ بالتغذي على الأصغر، وهكذا. وسرعان ما يطرد الفكرة من رأسه، خاصة حين يتجسم أمامه طيف سمكة قرش ذات أنياب تداعب جسده.
ينتقل لعالم موازي آخر من تلك العوالم التي يرسمها في خياله ويريدها بديلاً لواقعه؛ فيتمنى تارة أن يصبح كتاباً مفيداً على رف نظيف في مكتبة كبيرة، يجد فيه طالبٌ معلومةً استعصت عليه وعلى أساتذته، ولم تقنعه فيها إجابات محركات البحث ولا الذكاء الاصطناعي. وقبل أن يجمح خياله في تلك النقطة، تزول ابتسامته حين يصطدم بصخرة الواقع؛ فالمكتبات العامة قلّ عددها، والناس في الأغلب لم تعد تهتم بالكتاب الورقي، وتضائل دوره كثيراً عما سبق، فكيف يريد أن يصبح كتاباً؟!
حتى لو افترضنا كونه كتاباً مفيداً أو من أمهات الكتب، فالناس في العموم لم تعد شغوفة بالقراءة الورقية ولا الذهاب للمكتبات. وقبل أن يطرد فكرة تحوله لكتاب في عالم موازٍ آخر، نظر لتلك الكتب التي تنتظر في مكتبته دورها في القراءة، وابتسم ابتسامة ساخرة قبل أن يغلبه النعاس، وهو لا يزال أسير فكرة تحوله للعيش في عوالم موازية أخرى. ويا ترى، هل يأتي اليوم الذي يجد فيه ذلك العالم الذي يحنو عليه أكثر من كونه مجرد إنسان؟
![]()
