ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20261021 WA0017

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

ظل دفتر السجلات مغلقًا تحت يد آدم.

 

لم يكن يريد فتحه مرة أخرى قبل أن يفهم الجملة الأخيرة التي وجدوها:

 

«تم استلام الطفل من يوسف وإعادته إلى المسؤول.»

 

لم يكن هناك اسم للطفل.

 

ولا اسم للمسؤول.

 

فقط الرمز:

 

03

 

قالت داليا:

 

«إحنا محتاجين نعرف مين المسؤول ده.»

 

رد آدم:

 

«ومحتاجين نعرف ليه اسمي اتكتب بدل اسم الطفل.»

 

قالت ليان:

 

«يمكن الطفل ماكانش آدم.»

 

نظر إليها آدم.

 

«بس الصورة كانت ليا.»

 

«الصورة بتثبت إن طفلًا يشبهك كان موجودًا. مش بالضرورة إن الورقة تخصك أنت.»

 

سكت آدم.

 

كانت ملاحظة منطقية.

 

وهو نفسه كان يرفض أن يحوّل أي احتمال إلى حقيقة قبل وجود دليل.

 

قال:

 

«يبقى لازم نثبت إن الطفل اللي في الصورة هو أنا.»

 

فتحت ليان الملف مرة أخرى.

 

«عندنا صورة.»

 

«الصورة لوحدها مش كفاية.»

 

«إيه اللي يكفي؟»

 

«حاجة من حياتي القديمة مرتبطة بالمكان.»

 

تدخلت داليا:

 

«زي إيه؟»

 

فكر آدم للحظات.

 

ثم قال:

 

«سجلات المدرسة.»

 

نظرَت إليه ليان.

 

«لو التاريخ قبل اختفاء يوسف بيوم، نقدر نعرف كنت فين اليوم ده.»

 

توقفت داليا.

 

«ولو كنت في المدرسة؟»

 

أجاب آدم:

 

«يبقى الصورة مش ليا، أو التاريخ مزور.»

 

خرج الثلاثة من مكتب السجلات.

 

لم يذهبوا إلى محطة الشرق مباشرة.

 

اتجهوا إلى غرفة الملفات الشخصية في المبنى الإداري القديم، حيث كانت تُحفظ سجلات الموظفين والبيانات العائلية القديمة لمن عملوا في الأرشيف.

 

قالت ليان وهي تفتح الباب:

 

«أبويا كان بيقول إن المكان ده ماكانش مجرد أرشيف.»

 

نظر إليها آدم.

 

«إنتِ عمرك ما قلتي إن والدك اشتغل هنا.»

 

«ما اشتغلش. لكنه كان يعرف ناس كتير هنا.»

 

«وليه ما قلتيش؟»

 

نظرت إليه للحظة.

 

«لأني ماكنتش عارفة إن المعلومة دي هتفرق.»

 

لم يعلق آدم.

 

دخلوا الغرفة.

 

بحث آدم عن اسمه في السجلات القديمة.

 

بعد دقائق وجد ملفًا باسم:

 

ناصر عبد الحميد.

 

اسم والده.

 

فتح الملف.

 

كانت بداخله أوراق عمل قديمة، وتصاريح دخول، وصورة عائلية صغيرة.

 

ثم وجد شيئًا جعله يتوقف.

 

تصريح دخول لمحطة الشرق.

 

التاريخ:

 

اليوم السابق لاختفاء يوسف.

 

الاسم:

 

ناصر عبد الحميد.

 

المرافق:

 

طفل.

 

لم يكن هناك اسم للطفل.

 

لكن عمره مسجل:

 

أربع سنوات.

 

قالت داليا:

 

«آدم كان عنده أربع سنين وقتها؟»

 

أجاب آدم:

 

«تقريبًا.»

 

أمسكت ليان الورقة.

 

«إذن والدك كان هناك.»

 

هز آدم رأسه.

 

«وده أول دليل يربطني بالمحطة من غير الصورة.»

 

ثم قلب التصريح.

 

وجد ملاحظة صغيرة:

 

«تم الدخول من البوابة 03.»

 

رفع آدم عينيه.

 

«03 مش غرفة.»

 

قالت ليان:

 

«بوابة.»

 

كانت أول مرة يصبح فيها الرقم مرتبطًا بمكان محدد بشكل مباشر.

 

لكن آدم لم يبتسم.

 

بل أعاد قراءة الورقة.

 

«البوابة 03.»

 

ثم قال:

 

«يبقى الصورة كانت بتقول لنا المكان من البداية.»

 

قالت داليا:

 

«والساعة؟»

 

«11:40.»

 

نظر آدم إلى التصريح.

 

وقت الدخول:

 

11:32.

 

تجمد للحظة.

 

قالت ليان:

 

«يعني بعد دخول والدك بثماني دقائق، الصورة اتاخدت.»

 

هز آدم رأسه.

 

«وده معناه إن الساعة أخيرًا بدأت تاخد معنى.»

 

لكن قبل أن يكتمل استنتاجه، لاحظ شيئًا في أسفل التصريح.

 

وقت الخروج:

 

غير مسجل.

 

وبجواره ختم صغير:

 

03

 

قال آدم:

 

«والدي دخل من البوابة 03… لكن خروجه مش موجود.»

 

داليا قالت:

 

«يمكن نسيوا يسجلوا.»

 

رد آدم:

 

«ممكن.»

 

ثم أضاف:

 

«بس إحنا بقينا عارفين إن حذف المعلومات بيتكرر في كل ورقة مرتبطة بالحالة.»

 

فتحت ليان سجلًا آخر.

 

«استنى.»

 

وضعت ورقة أمامه.

 

كانت قائمة بأسماء الأشخاص الذين دخلوا المحطة في ذلك اليوم.

 

وجد آدم اسم والده.

 

ثم اسم يوسف.

 

ثم اسم فؤاد.

 

ثم اسم سامر.

 

لكن كان هناك اسم خامس.

 

ناصر عبد الحميد — مرافق لطفل مجهول.

 

قالت ليان:

 

«يبقى الطفل كان مسجل كـ مجهول.»

 

أجاب آدم:

 

«لكن في مكان تاني، اسمي اتكتب بدلًا منه.»

 

سكت الجميع.

 

بدأت الصورة تتغير.

 

لم يكن شخص ما قد سرق اسم آدم بعد أن كبر.

 

ربما كان الاسم قد استُخدم منذ طفولته.

 

وربما لم يكن الهدف تزوير هوية شخص بالغ.

 

كان الهدف إخفاء هوية طفل.

 

قالت داليا:

 

«طب مين كان الطفل؟»

 

نظر آدم إلى الصورة.

 

ثم إلى تصريح والده.

 

ثم إلى سجل الدخول.

 

وقال:

 

«لسه ما نعرفش.»

 

في تلك اللحظة سمعوا صوت مفتاح في الباب.

 

التفت الثلاثة.

 

دخل موظف أرشيف مسن يحمل صندوقًا من الملفات.

 

توقف عندما رأى آدم.

 

قال:

 

«إنت ابن ناصر عبد الحميد؟»

 

أجاب آدم:

 

«أيوه.»

 

ظل الرجل ينظر إليه لثوانٍ.

 

ثم قال:

 

«أنا شفتك قبل كده.»

 

اقترب آدم.

 

«فين؟»

 

قال الرجل:

 

«في محطة الشرق.»

 

ساد الصمت.

 

سأله آدم:

 

«إمتى؟»

 

تغير وجه الرجل.

 

«من سبعتاشر سنة.»

 

«كنت موجود يوم اختفاء يوسف؟»

 

«أيوه.»

 

«وشفتني؟»

 

هز الرجل رأسه.

 

«شفت طفلًا مع والدك.»

 

«كان أنا؟»

 

تردد الرجل.

 

ثم قال:

 

«أنا كنت فاكر إنه إنت.»

 

اقترب آدم أكثر.

 

«ودلوقتي؟»

 

خفض الرجل عينيه إلى الورقة الموجودة في يد آدم.

 

ثم قال:

 

«دلوقتي عرفت إن الطفل اللي شفته يومها… ماكانش ابن ناصر.»

 

تجمد آدم.

 

داليا رفعت رأسها.

 

وليان لم تتحرك.

 

سأل آدم:

 

«أمال كان مين؟»

 

لكن الرجل لم يجب.

 

لأنه في اللحظة نفسها سمعوا صوت شيء يسقط في الممر خارج الغرفة.

 

خرج آدم مسرعًا.

 

لم يجد أحدًا.

 

فقط ورقة واحدة على الأرض.

 

انحنى والتقطها.

 

كانت صورة قديمة لوالده أمام بوابة محطة الشرق.

 

وبجواره طفل صغير.

 

لكن وجه الطفل كان ممزقًا من الصورة عمدًا.

 

وعلى ظهرها جملة واحدة:

 

«والدك لم يُحضر آدم إلى المحطة… أحضر طفلًا آخر.»

 

رفع آدم الصورة ببطء.

 

ولأول مرة، لم يعد السؤال:

 

من استخدم اسم آدم؟

 

بل:

 

من هو الطفل الذي عاش بعد ذلك باسم آدم؟

 

انتظروا الجزء القادم

 

غمضة:

إذا كان الطفل الموجود في الصورة ليس آدم، فلماذا تحمل كل الأوراق اسمه؟ ومن الذي قرر أن الطفل المجهول سيصبح «آدم ناصر» بعد خروجه من البوابة 03؟

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *