حوار: أحمد محمد
في زمن ضجّت فيه الصورة وطغى بريق الكاميرا، اختارت أن تصل بصوتها لا بصورتها، وأن تترك أثرها همساً في الأذن لا صخباً في العين. ضيفتنا اليوم معلقة صوتية جزائرية اختارت لنفسها اسماً فنياً أحبّه جمهورها واعتزت به، “قمر”، شابة جزائرية جمعت بين الدراسة وشغف الميكروفون، ترى في التعليق الصوتي رسالة وروحاً لا مجرد قراءة لنص جامد. في هذا الحوار الخاص لمجلة الرجوة الأدبية، تفتح قمر قلبها للحديث عن رحلتها، عن ظلم المجال، عن التريند، عن الإعلام، وعن حلمها الأكبر بعيداً عن أضواء الشهرة.
في البداية.. من هي قمر لمن لا يعرفها؟
مرحباً، أنا قمر، معلقة صوتية، وهذا هو اسمي الفني الذي يعرفني به أغلب الناس على حساباتي وأعتز به جداً. أنا من الجزائر الحبيبة، ولي كل الشرف أن أكون معكم اليوم في هذا الحوار الجميل مع أخي أحمد من مصر. بالنسبة للدراسة والسكن، فأنا أفضل الحفاظ على خصوصية بعض التفاصيل، لكن يمكنني أن أقول إنني حالياً طالبة ومتفرغة لتطوير نفسي في مجال التعليق الصوتي الذي أعتبره شغفي وهوايتي الأساسية ومجال عملي المستقبلي. أحب جداً في العمل الالتزام بالمواعيد والاحترام المتبادل والوضوح في طلب العميل. لا أعمل عادة في فريق ولكن يمكنني المشاركة في أدوار دبلجة ضمن فريق. أما عن الأشياء التي أريد أن أطورها في نفسي، فأعمل حالياً على تطوير لغتي الإنجليزية ومخارج الحروف عندي في الفصحى، لأن المعلق الناجح يجب أن يتعلم كل يوم.
ما رأيك في مجال التعليق الصوتي، وهل ترين أنه أخذ حقه في الانتشار داخل الوطن العربي؟
بصراحة لا، التعليق الصوتي لا يأخذ حقه. أنا كقمر أرى كل يوم أناساً يظنون أن التعليق الصوتي مجرد صوت جميل يستخدم لقراءة نص جامد، لكن لا أحد يرى الساعات التي نقضيها في التدرب للوصول لنتيجة ترضينا وترضي الزبون والمستمع، ولا التوتر قبل التسجيل، ولا كم مرة نعيد الجملة من أجل الوصول للون والطبقات المناسبة. في الوطن العربي لا يزال هذا المجال مربوطاً في أذهان الناس بدبلجة الكرتون فقط، أو بصوت الرجل الذي يقول “هذا المنتج برعاية…”. والمشكلة تكمن أيضاً في استصغار الزبائن لمجهود المعلق الصوتي والمماطلة في دفع حقه، فبالنسبة لهم أي شخص يمكنه قراءة هذا النص، ولكن حين يصبح الأمر جدياً يتوجهون إلينا، ولا يدركون أن الصوت هو المساهم الأكبر في الترويج لمنتجهم. هذا المجال في مرحلة انتشار لكنه لم يصل لمرحلة التقدير اللازم. وقد حدث معي موقف سابقاً جعلني أتأكد من كلامي، كان يوماً عادياً فتحت فيه حسابي لأتفقد الرسائل، فإذا بي أجد رسالة من كاتب مفاده أنه يريد تعليقاً صوتياً كترويج لكتابه قبل معرض سيلا للكتاب بالجزائر العاصمة، فسألته بضع أسئلة ووضحت طريقة عملي وطلبت منه إرسال النص، أجابني بنعم سأرسل النص، وبعد ما يقارب ساعة نشر فيديو على حسابه بالذكاء الاصطناعي، لا روح ولا إبداع ولا تقدير لعملنا.
في الفترات الأخيرة انتشرت فكرة التريندات وسيطرتها على مواقع التواصل، هل ترين أننا يمكن أن نسيطر عليها من حيث ما نظهره وما نخفيه؟
التريندات مثل أمواج في البحر الهائج، من السهل مجاراتها لكن من الصعب إيقاف الفكرة، لكن السيطرة عليها أحياناً تكون صعبة، فالذي نستطيع فعله هو التحكم في كيفية تعاملنا معها. نستطيع أن نستغل التريندات التي تخدم هدفنا وتظهر القضايا المهمة، ونستطيع أن نتجاهل التريندات التي تضرنا أو تسيء إلينا كجزائريين. والأهم، نستطيع أن نصنع ترينداتنا الخاصة التي تعبر عن قيمنا وهويتنا وثقافتنا الموجودة بكل شبر من التراب الوطني في 58 ولاية. مثال: تريند تضامن الشعب الجزائري وقت الحرائق كان ترينداً قوياً تحدثت عنه كل الدول العربية، فقد عبر عن قيم التضامن والإنسانية ومدى حب الجزائريين لبعضهم، فقد جسد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى”. وخلاصة القول، التريندات سلاح ذو حدين وهي جزء لا يتجزأ من السوشيال ميديا، هناك من يستخدمها بوعي وفطنة وهناك من يستغلها لصنع فجوة أو تشويه فكر الفئات القاصرة لأنها قاعدة جماهيرية كبرى.
في ظل عصر السرعة والسوشيال ميديا، ما رأيك في الإعلام الحالي، وما وجه المقارنة بينه وبين الإعلام القديم، ومن الأقوى في توصيل الرسالة الحقيقية؟
في ظل عصر السرعة، أرى أن الإعلام الحالي تفوق على الإعلام القديم من حيث الفعالية والانتشار، لكن ليس من حيث المصداقية. الإعلام القديم مثل التلفزيون والجريدة كان يتميز بالمهنية والتحقق من المعلومة قبل نشرها، وكانت رسالته عميقة ومدروسة، لكنه كان بطيئاً ومحتكراً من طرف جهة واحدة والجمهور كان مجرد متلق سلبي. أما الإعلام الحالي والسوشيال ميديا فهو إعلام سريع، تفاعلي، وديمقراطي، الجميع يستطيع أن يصبح مرسلاً للمعلومة، وهذا ما جعله الأقوى في إيصال الرسالة بسرعة قياسية. أما عن رأيي في السوشيال ميديا فهي سلاح ذو حدين، هي مفيدة جداً لأنها تكسر احتكار المعلومة وتسهل التواصل، لكنها خطيرة لأنها تفتح المجال للإشاعة والأخبار الكاذبة وغياب الرقابة المهنية. والدليل على قوتها الإيجابية ما حدث في حرائق الجزائر الأخيرة، في الوقت الذي كان الإعلام التقليدي ينقل الخبر فقط، كانت السوشيال ميديا هي المحرك الحقيقي على الأرض، هي التي جمعت التبرعات وحددت أماكن المحتاجين ونظمت قوافل التضامن وأظهرت تلاحم الشعب الجزائري، وهذا ما لا يستطيع الإعلام القديم فعله بهذه السرعة.
الذكاء الاصطناعي تدخل في مجالات كثيرة، هل ترين أنه يمكن أن يحل مكان الإنسان في الأصوات والفكر والأعمال التمثيلية التي فيها روح؟
لا، لا أظن أن الذكاء الاصطناعي سيحل يوماً مكان الإنسان في مجال التعليق الصوتي والسبب بسيط. الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقلد الصوت، لكنه لا يستطيع أن يقلد الروح. يستطيع أن يقرأ النص، لكنه لا يستطيع أن يمنح الإحساس للنص. وهذا هو السبب بالضبط الذي يجعل مجال التعليق الصوتي مظلوماً. المعلق الصوتي المحترف لا يقرأ النص قراءة عادية، بل هو يجاري الكلمات بكل تفاصيلها، يبث فيها الروح، ويعطيها إحساساً يطرب أذن المستمع ويشد انتباهه سواء كان ذلك لمنتج أو إعلان أو قصة. الذكاء الاصطناعي يقدم كلمات خالية من الإبداع، بينما هذا المجال يحتاج إلى تميز بروح بشرية، إلى خبرة حياتية، إلى ضحكة حقيقية وبكاء حقيقي، وهذا ما لا تملكه الآلة أبداً. لذلك أرى الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة لنا، وليس كبديل عنا.
لو كان هناك جملة تقولينها كرسالة توعية وتبقى بصمة صوتية لا تنسى، ماذا تكون؟
حاولوا النظر للأشياء من خلال جوهرها لا مظهرها، فما يبدو بسيطاً يحمل في ثناياه إبداعاً عظيماً.
لو جاءك دور تمثيلي مصور وسيوصل رسالتك بشكل أسرع، هل يمكن أن تقبلي؟
لا، لن أقبل. ليس تقليلاً من شأن التمثيل، بل لأنه لا يشبهني. أنا اخترت التعليق الصوتي تحديداً لأنه يسمح لي أن أوصل رسالتي بصوتي فقط، دون الحاجة إلى الظهور. أنا لا أحب الأضواء وضجيج مواقع التواصل، أنا أميل بطبيعتي إلى الحياة الهادئة البسيطة. التعليق الصوتي يمنحني مساحة آمنة، أستطيع من خلالها أن أبدع وأترك أثراً وأنا في عالمي الخاص. ولأكون صادقة، لدي حلم أكبر من الشهرة والانتشار، فأنا أسأل الله مستقبلاً أن يرزقني الزوج الصالح، وأمنيتي حينها أن أربي أطفالي في جو عائلي دافئ وهادئ، بعيداً عن صخب الشهرة والكاميرات. أريدهم أن يكبروا على صوت أمهم وهي تروي لهم القصص، لا على ضجيج الإعلام، أربيهم على طاعة الله وحفظ كتابه ليزهر بيتي بعائلتي الصغيرة. لذلك اخترت أن تصل رسالتي بصوتي، لا بصورتي.
وفي نهاية هذا الحوار، ماذا تحبين أن تقولي لمجلة الرجوة الأدبية ولكل من آمن بصوتك؟
في البداية أتوجه بكامل امتناني لله عز وجل الذي رزقني هذه النعمة لقوله تعالى: “وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا”، فمنذ بداية مشواري حتى الآن كان الله السند الأول لي، فقد ملأ مساري بأشياء جميلة لا تعد ولا تحصى. ثانياً أتوجه بشكري لعائلتي على دعمها الدائم واللامتناهي وبعض من صديقاتي اللواتي لم يقصرن أيضاً في مساندتي وتشجيعي، وأتوجه بشكري لكل متابع آمن بصوتي وشجعني بكلمة طيبة، أنتم السبب في استمراري. وفي ختام هذا الحوار الدافئ، أتوجه بخالص الشكر والامتنان لمجلة الرجوة الأدبية على احتضانها لصوتي قبل صورتي. شكراً لأنكم آمنتم بأن الحرف حين يقال بصدق قد يكون أبلغ من ألف صورة. منحتم مساحة لفتاة اختارت أن تهمس للعالم من وراء الميكروفون، لا أن تصرخ فيه من أمام الكاميرا. رسالتي الأخيرة لقرائكم: انظروا للأشياء بجوهرها لا بمظهرها، فكم من صوت خافت خلفه قلب عظيم، وكم من كلمة بسيطة تحمل في ثناياها إبداعاً خفياً. كنت معكم قمر، التي لا تضيء في السماء، بل تحاول أن تترك نوراً صغيراً في أذن وقلب من يسمعها.
![]()
