حوار: صفية بن حمزة
رائد محمد أحمد عشرة، شاعر وكاتب مسرحي وروائي مصري من مدينة بورسعيد، يحمل شغفًا خاصًا بالكلمة والأدب، ويؤمن بأن الكتابة رسالة إنسانية تتجاوز حدود التعبير، لتلامس القلوب وتطرح الأسئلة وتغوص في قضايا الإنسان والحياة. تتنوع تجربته الأدبية بين الشعر والمسرح والرواية والقصة القصيرة، مستلهمًا أفكاره من تجارب الحياة، ومشاعر الإنسان وصراعاته النفسية، إلى جانب اهتمامه بالفلسفة والغموض والرعب، ساعيًا إلى تقديم أعمال تحمل بصمته الخاصة وتعكس رؤيته الأدبية.
ومن أبرز أعماله ديوان «القصيدة الأخيرة»، وكتاب «الملقن المسرحي»، ومجموعة القصص «ما وراء الأبعاد»، إلى جانب أعمال أخرى، منها «ما وراء الحقيقة» و«ما وراء الكواليس» و«ما وراء الشمس». وينطلق في مسيرته من إيمانه بأن الموهبة تحتاج إلى القراءة والاجتهاد والاستمرار، وأن قيمة الكاتب لا تقاس بعدد أعماله المنشورة، بل بالأثر الذي يتركه في وجدان القارئ. كما يولي اهتمامًا بدعم المواهب الشابة وتشجيع الحركة الأدبية والثقافية، إيمانًا منه بدور الأدب في فتح آفاق الإبداع والحوار وبناء الوعي.
وفي هذا الحوار، نقترب من تجربة رائد عشرة الأدبية، ونتعرّف على رؤيته للشعر والمسرح والكتابة، ومصادر إلهامه، وكيف يحوّل التجارب الإنسانية إلى حكايات تحمل بين سطورها أسئلةً تبحث عن الحقيقة، وأثرًا يسعى إلى البقاء في ذاكرة القارئ.
1- كيف كانت بدايتك الأولى مع الكتابة والشعر، ومتى شعرت أنهما أصبحا جزءًا من حياتك؟
كانت بدايتي مع الكتابة نابعة من حبي للكلمة وشغفي بالتعبير عما يدور بداخلي من مشاعر وأفكار. وجدت في الشعر مساحة أعبّر من خلالها عما تعجز عنه الكلمات العادية، وفي الكتابة عالمًا أستطيع فيه التعبير عن رؤيتي للحياة والإنسان. ومع مرور الوقت، لم تعد الكتابة مجرد هواية، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من حياتي.
2- هل كان هناك حدث أو شخص معين شجعك على دخول عالم الكتابة ونظم الشعر؟
لم يكن الأمر مرتبطًا بشخص واحد أو حدث بعينه، بقدر ما كان نتيجة تجارب ومواقف إنسانية تركت أثرها بداخلي. الحياة نفسها كانت معلمي الأول، بما فيها من فرح وحزن ونجاح وخذلان. وأؤمن أن التشجيع مهم، لكنه لا يصنع الموهبة من العدم، بل يساعدها على الظهور والنمو.
3- هل تتذكر أول نص أدبي أو قصيدة كتبتها؟ وما الذي تمثله لك اليوم؟
أعتز ببداياتي لأنها تمثل الخطوة الأولى في طريق طويل، حتى وإن اختلف مستواها الفني عما أكتبه اليوم. فكل كاتب بدأ بمحاولة، وكل قصيدة ناضجة كانت يومًا فكرة بسيطة تبحث عن شكلها. والبدايات تذكرني دائمًا بأن التطور يحتاج إلى الصبر والممارسة.
4- برأيك، هل يمكن لأي شخص أن يصبح كاتبًا أو شاعرًا، أم أن الكتابة والشعر موهبتان تحتاجان إلى استعداد خاص؟
أرى أن الموهبة هي البذرة الأولى، لكن البذرة وحدها لا تصنع شجرة. فالكتابة تحتاج إلى القراءة والثقافة والتجربة والتدريب المستمر. وقد يمتلك الإنسان إحساسًا جميلًا بالكلمة، لكنه يحتاج إلى أدوات فنية ولغوية حتى يستطيع التعبير عن هذا الإحساس بصورة مؤثرة. لذلك أؤمن بأن الموهبة مع الاجتهاد قادرة على صناعة كاتب متميز.
5- هل أثرت تجاربك الشخصية ومواقف الحياة في كتاباتك وقصائدك؟ وكيف انعكس ذلك على ما تقدمه؟
بالتأكيد، فالحياة هي المنبع الأكبر للأدب، والتجارب الإنسانية تترك أثرها في طريقة رؤيتنا للأشياء. انعكست تجاربي على كتاباتي من خلال الاهتمام بمشاعر الإنسان وصراعاته الداخلية، وبالحب والهجر والغدر والوطن والرحيل والأسئلة الفلسفية. وأحاول ألا أنقل التجربة كما حدثت فقط، بل أعيد تشكيلها أدبيًا حتى تتحول من تجربة شخصية إلى إحساس يستطيع القارئ أن يجد نفسه فيه.
6- ما أبرز الصعوبات التي واجهتك خلال مشوارك الأدبي؟ وبماذا تنصح لتجاوزها؟
من أبرز الصعوبات مسؤوليات الحياة، وتحديات النشر والوصول إلى القارئ، والحصول على التقدير الذي يستحقه العمل الأدبي. كما أن تطوير الأسلوب يحتاج إلى جهد ومراجعة مستمرة. ونصيحتي لكل موهوب ألا ينتظر الظروف المثالية، وألا يجعل غياب التشجيع سببًا للتوقف. اكتب، واقرأ، وراجع أعمالك، وتقبل النقد الموضوعي، واجعل هدفك أن تقدم نصًا صادقًا ومتقنًا.
7- كيف تولد الفكرة لديك؟ هل تبدأ بخاطرة تتحول إلى نص أو قصيدة، أم تأتيك القصيدة مكتملة منذ اللحظة الأولى؟
غالبًا ما تبدأ الفكرة بخاطرة أو مشهد أو كلمة تثير بداخلي شيئًا ما، ثم تبدأ في النمو حتى تتحول إلى نص أو قصيدة. أحيانًا تولد القصيدة بإيقاع أو شطر فأبدأ البناء عليه، وأحيانًا تكون البداية فكرة أو موقفًا إنسانيًا يحتاج إلى التعبير. ونادرًا ما تأتي القصيدة مكتملة منذ اللحظة الأولى، فالنص الجيد يحتاج إلى مراجعة وصقل.
8- هل تعتمد على روتين معين أثناء الكتابة ونظم الشعر، أم تترك الأمر للحالة المزاجية والإلهام؟
أمنح الإلهام مساحة كبيرة، لكنني لا أعتمد عليه وحده. فالإلهام قد يأتي في أي وقت، أما الكتابة الحقيقية فتحتاج إلى عمل وصبر. أحيانًا أكتب عندما تفرض الفكرة نفسها علي، وأحيانًا أعود إلى نص قديم فأعيد صياغته. وأرى أن الكاتب لا بد أن يوازن بين عفوية الشعور والانضباط الفني.
9- لمن تكتب قصائدك ونصوصك أكثر: لنفسك أم للقارئ؟
أكتب لنفسي أولًا حتى أكون صادقًا مع مشاعري وأفكاري، ثم أكتب للقارئ الذي أتمنى أن يجد في كلماتي شيئًا يشبهه أو يلامس جزءًا من تجربته. فالكتابة تبدأ من الداخل، لكنها لا تكتمل إلا عندما تصل إلى إنسان آخر. وأجمل ما يحدث للكاتب أن يخبره قارئ بأن نصًا كتبه عبّر عن وجع عاشه أو أعاد إليه ذكرى أو منحه أملًا.
10- ما الوقت الأنسب للكتابة ونظم الشعر حسب تجربتك؟ وهل يؤثر الهدوء أو المكان في إبداعك؟
لا أعتقد أن هناك وقتًا واحدًا يصلح لجميع المبدعين، فلكل كاتب طبيعته وحالته الخاصة. الهدوء يساعد على التركيز والتعمق في الفكرة، لكن بعض النصوص تولد وسط ضجيج الحياة ومواقفها اليومية. والأهم أن أكون حاضرًا ذهنيًا ومتفاعلًا مع الفكرة، سواء جاءت في الليل أو النهار.
11- هل يمكن لضغوط الحياة وتجاربها القاسية أن تكون مصدر إلهام أم عائقًا أمام الإبداع؟
يمكن أن تكون الأمرين معًا. أحيانًا تمنحنا التجارب القاسية عمقًا إنسانيًا يجعلنا أكثر قدرة على فهم الآخرين والتعبير عن آلامهم، لكنها قد تتحول أيضًا إلى عبء يمنعنا من الكتابة والتركيز. وليس صحيحًا أن المبدع يحتاج إلى الألم كي يبدع؛ فالسعادة والتأمل والأمل مصادر للإبداع أيضًا. المهم هو قدرة الكاتب على تحويل تجاربه إلى معنى إنساني.
12- من بين نصوصك وقصائدك، هل هناك عمل أقرب إلى قلبك أو يحمل ذكرى خاصة لديك؟ ولماذا؟
من الأعمال التي أعتز بها ديواني الشعري «القصيدة الأخيرة»، لما يحمله من تنوع في المشاعر والأفكار بين الحب والهجر والغدر والوطن والفلسفة والرحيل. كما أعتز بكتاباتي المسرحية، ومنها «الملقن المسرحي»، وبعالمي القصصي في «ما وراء الأبعاد»، الذي أقدم من خلاله تجارب في الرعب والغموض وما وراء المألوف. ولكل عمل مكانته الخاصة، لكنني أؤمن بأن الكاتب ينبغي أن يظل قادرًا على اكتشاف نفسه من جديد في كل تجربة.
13- ما النصيحة التي توجهها للمواهب الشابة التي تحب الكتابة والشعر؟
أنصح كل موهبة شابة بأن تقرأ كثيرًا، وألا تكتفي بكتابة ما تشعر به، بل تتعلم كيف تصوغه فنيًا ولغويًا. اقرأوا الشعر القديم والحديث، وتعرفوا إلى المدارس الأدبية المختلفة، واهتموا باللغة والعروض لمن يكتب الشعر الموزون، ولا تخافوا من التجربة والخطأ.
ولا تستعجلوا الشهرة أو النشر؛ فالنص الجيد يستحق أن يراجع وينقح قبل أن يخرج إلى الناس. والأهم ألا يقلد الكاتب غيره حتى يفقد صوته الخاص. تعلموا من الآخرين، لكن ابحثوا عن بصمتكم أنتم، فالأدب يحتاج إلى أصوات صادقة تحمل رؤى وتجارب مختلفة.
14- في ظل التطور التكنولوجي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، هل ما زال الشعر والكتابة يحظيان باهتمام القراء؟
أرى أن الشعر والكتابة ما زالا يحظيان باهتمام القراء، لكن وسائل التواصل الاجتماعي غيرت طريقة وصول الأدب إليهم. فقد أصبح بإمكان شاعر أو كاتب أن ينشر أعماله ويصل إلى جمهور واسع، وهذه فرصة عظيمة للمواهب الجديدة.
لكن سرعة النشر فرضت تحديات حقيقية؛ إذ أصبح بعض الناس يفضلون النصوص القصيرة والسريعة، وأحيانًا يُحكم على العمل من خلال عدد الإعجابات والمشاركات بدلًا من قيمته الفنية. ومع ذلك، لا أعتقد أن التكنولوجيا تهدد الأدب في حد ذاته، بل تضعه أمام مسؤولية جديدة، وهي أن يحافظ على عمقه وجودته وسط هذا الزحام.
وأؤمن أن الكلمة الصادقة ستظل قادرة على الوصول إلى القلوب مهما تغيرت الوسائل؛ لأن الإنسان سيظل بحاجة إلى من يعبر عن أحلامه ومخاوفه وأسئلته، وسيظل الأدب مرآة للروح الإنسانية مهما تطور العالم من حولنا.
كلمة أخيرة من الشاعر والكاتب المسرحي رائد عشرة
أؤمن أن الأدب ليس مجرد كلمات تكتب، بل مسؤولية تجاه الإنسان والحياة. فالكاتب الحقيقي لا يكتب ليملأ الصفحات، وإنما ليترك أثرًا، ويطرح سؤالًا، ويوقظ شعورًا، وربما يغير فكرة في عقل قارئ واحد.
وقد لا يملك الأديب ثروة أو نفوذًا، لكنه يمتلك الكلمة، والكلمة حين تكون صادقة تستطيع أن تعيش أطول من أصحابها.
أتمنى أن يظل الأدب مساحة للحرية والجمال والوعي، وأن تجد المواهب الشابة من يساندها ويمنحها الفرصة؛ لأن نهضة أي مجتمع لا تقوم على البناء المادي وحده، بل تحتاج أيضًا إلى ثقافة تحفظ هويته، وفن يعبر عنه، وأدب يترك للأجيال القادمة ما يستحق أن يقرأ ويتذكر.
يكتب الشعر الموزون، ولا تخافوا من التجربة والخطأ.
ولا تستعجلوا الشهرة أو النشر؛ فالنص الجيد يستحق أن يراجع وينقح قبل أن يخرج إلى الناس. والأهم ألا يقلد الكاتب غيره حتى يفقد صوته الخاص. تعلموا من الآخرين، لكن ابحثوا عن بصمتكم أنتم، فالأدب يحتاج إلى أصوات صادقة تحمل رؤى وتجارب مختلفة.
![]()
