...
Img 20250621 wa0119

كتبت: منال ربيعي 

 

رحلة صوفية نحو فهم الذات من خلال الآخرين

 

مقدمة:

في الزحام اليومي للعلاقات، كثيرًا ما نحكم على من حولنا: هذا قاسٍ، وتلك متعجرفة، وهذا جاحد، وذاك مغرور.

لكن في الطريق الصوفي، لا يُرى الآخر كما هو، بل كما يكشفه الله لنا من أنفسنا.

يقول الشيخ الأكبر ابن عربي: ما رأيتُ شيئًا إلا ورأيتُ الله فيه.

ويقول بعض الحكماء: الناس مراياك، فإن نظرت فيهم بصدق، رأيت نفسك.

 

كيف نصل لهذه القناعة؟

 

١. البداية من النية:

حين تنوي أن ترى في الناس انعكاساتك، لا عيوبهم، يبدأ التغيير.

كل تصرف يستفزك، اسألي: لماذا آلمني؟ هل فيّ منه شيء دفين؟

وإن لمستِ من أحدهم طيبة غير معتادة، قولي: الحمد لله أن فيّ بقية من هذا النور.

 

 

٢. تقبُّل النفس بصدق:

لا يمكن أن ترى نفسك في الآخرين ما لم تتصالح مع ما فيك.

فكل ما ترفضينه في نفسك، ستكرهينه حين تراه في الناس.

وهنا يُصبح الغضب دليلاً لا على غيرهم، بل على ألم داخلي فيك.

 

 

٣. السكينة بدل الغضب:

حين تنظرين للناس كمرآة، يهدأ قلبك.

لا تعودي تتصرفين بدافع الانتقام أو الانفعال،

بل تتعاملين معهم كأنهم معلمون أرسلهم الله ليكشفوا لكِ ما غاب عنكِ.

 

أمثلة من الحياة اليومية:

 

امرأة تغار منك وتهاجمك بالكلام:

بدلًا من الرد، اسألي: هل مررت يومًا بشعور نقص فظيع جعلني أقلل من غيري؟

التعاطف يحلّ محل الدفاع، وتفهمين ألمها دون أن تحملي همها.

 

رجل متعجرف يذكّرك دومًا بأنه أفضل منك:

لعل داخلك طفلة تبحث عن إثبات ذات، ولهذا تستفزك هذه النبرة.

اعرفي موضع الجرح، تملكي قوتك.

 

شخص يشع نورًا وطمأنينة:

هذه مرآتك أيضًا، فلا تقولي: “هو ملاك وأنا لا شيء”.

بل قولي: “الله أظهر لي نوري من خلاله”.

لأنه لا يُرى النور إلا إن كان في القلب أثرٌ منه.

 

الحلول والتطبيق:

 

١. دفتر “مراياي اليومية”:

كل مساء، اكتبي موقفًا تفاعلت فيه بشدة مع أحد، واسألي نفسك: ماذا قال عني؟

 

 

٢. اذكري الله عند الغضب:

رددي سرًّا: اللهم أرني الحق حقًا، وارزقني اتباعه في نفسي أولًا.

وسترين أن ما كان يؤلمك صار يُنيرك.

 

٣. لا تحكمي، تأملي:

لا تقولي: “فلانة كاذبة”، بل قولي: “يا رب، إن كنتُ قد كذبتُ على نفسي، فطهّرني”.

وبدل أن تنشغلي بتصنيف الناس، تنشغلين بتهذيب قلبك.

 

خاتمة:

في التصوف، ما من أحد يدخل حياتك صدفة.

كل وجه تراه عيناك يحمل لك رسالة، كل نظرة مرآة لشيء فيك، ظاهرًا كان أو خفيًا.

والناضج روحيًا، لا ينشغل بمن أساء، بل بمن أضاء له عتمته.

فلا تُعادي من جرحك، ولا تُعظم من أحبك.

بل اشكر الله على كل مرآة تعكس ما يجب أن يُطهَّر.

 

هذه الفكرة غيرت حياتي فعلًا.

لأنها تنقلنا من موقع الضحية لموقع الباحث، وتحوّل الألم إلى درب للنور، وتمنحنا فهمًا أعمق للعلاقات من منظور القلب لا العقل فقط.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *