كتبت: ملاك عاطف
>>في الخامس عشر من الشهر الجاري، حين كان بدر السحر في ذروة اكتمال خشوعه، جرى شرُّ قضاءٍ موجع، وحملت طيّاته خيرًا خفيًّا لأهله.
سُرق النجاح بغتةً، واغتيلت الفرحة المنتظرةُ وصاحبها في غفلةٍ من نومٍ عميق.
ولم يتبقَّ له من الأملِ سوى حطامٍ جارحٍ يسيل دماء المستقبلِ ويسقطه ضحيّةً تتلوّى على أرض الضبابيّة والغموض والمجهول.
في الثالثة والنصف صباحًا من ذلك اليوم الأسود، اقتحمت قوات الاحتلال منزل الطالب يامن شكوكاني من مخيم عسكر شرق مدينة نابلس في الضفّة الغربيّة.
كسّرت الأثاث، وبعثرت المقتنيات، ولم تدع شيئًا إلّا لطخته بأصابع الهمجيّة والتخريب، وختمت مداهمتها العدوانيّة تلك باعتقال الشبل يامن، ليغادر مقعده في قاعة اختبارات الثانويّة قبل أن يجلس فيه.
“كل اشي اله ضريبة بهالوطن،”
كلماتٌ قليلةٌ مقتضبةٌ قالها والد يامن، وكان لها معانٍ عميقةٌ من القهر والحزن والحسرة طعنت خاصرة الزمن.
كلمات حصرت مخيّلة أبي يامن في حرب الإبادة، ليلهج لسانه بدعاء صادقٍ لأهالي القطاع.
أطلقه من قلبٍ مفطورٍ يتمنّى أن يخبّئ ولده بين صفحات كتبه ربّما؛ لتحميَهُ مواظبتُهُ على دروسه من تخييم ظلام السجن على زهرة شبابه.
وقد عبّر السيد إياد شكوكاني، والد الطالب الأسير يامن، عن الحسرة والوجع الذي سكنه حين وضعوا عصبةً على عيني ولده، وقيّدوا يديه.
وكأنّ سلاسل الجيش أسرت أبوّته وحنانه والفلاح الذي كان يرجوه من المولى لابنه.
فخطوات يامن الغائبة عن الأرصفة، وغرفته الخالية إلّا من كتبه الشريدة وأقلامه الباردة، قد خلّفت ضيقًا شديدًا في صدر العم إياد، ولكنها لم تطفئ بصيص التفاؤل فيه، بل ظلّ ينير له الغد ، يوم يتحرر يامن، ويعانق دروب العلم من جديد.
![]()
