...
Img 20250627 wa0022

الكاتبة منال ربيعي 

ملحمة عشق بين إله وامرأة، كما لم تُروَ من قبل

 

أنا كيوبيد، ابن أفروديت، من صاغتني الآلهة سهمًا يمضي في العروق، لا يُخطئ، لا يرحم. خلقتُ الحب بين البشر كما يخلق النسيم رقصة الزهر، ولكنني لم أذق طعمه… حتى نظرت إليها.

كانت تسير بين البشر كأنها حلم نبت من رغوة البحر، وكأن روحها صيغت من ضوء لم يلامسه تراب. رأيت في عينيها شيئًا لا تخلقه الآلهة: صدقًا لا يتصنع، ونقاءً يشبهني قبل أن أعرف نفسي. في تلك اللحظة، لم أعد سهمًا، بل جسدًا يحترق، وقلبًا يضج برغبة واحدة: أن أكون لها، وحدها.

 

أمرتني أمي، أفروديت، أن أُصيبها بسهم العذاب، أن أُسقطها في هوى مخلوقٍ بشعٍ لا يُطاق، عقابًا لها على سحرٍ نافس جمالها الإلهي. حملت السهم، وتسللت إليها… لكنها كانت نائمة، وجهها ساكن كقصيدة لم تُقرأ بعد، وشَفَتاها ترتجفان وكأنها تحلم بي دون أن تعرفني. اقتربت، رفعت السهم، وحين لامس قلبي… سقطتُ. نعم، سقطتُ في حبّها، أنا من لا يسقط.

 

أخذتها بعيدًا، إلى قصرٍ من نور لا يراه البشر، حيث الجدران تهمس بالحب، والماء يغني. لم أظهر لها وجهي، ليس خوفًا من أن ترى حقيقتي، بل لأني أردت أن تحبني كما أنا، بلا مجد، بلا عرش، بلا أجنحة. كنت أزورها كل ليلة، أذوب في صوتها، في أنفاسها، في دفء يديها حين تلمس الفراغ لتتحسس حضوري. كنت أذوب وأنا إله، وهذا لم يحدث من قبل.

 

لكن الشك، ذلك الذي يقتل الورود قبل أن تتفتح، تسلل إلى قلبها. في ليلة حالكة، أشعلت سراجًا، واقتربت لترى وجهي. كانت ترتجف، وكنت نائمًا، وقطرة زيت ساخنة سقطت على كتفي، فأفقت… ورأيتها تبكي. لم أصرخ، لم أغضب، بل شعرت بانكسارٍ لا يليق بآلهة. هربت، لا لأنني كرهتها، بل لأن قلبي لم يحتمل أن يُنكَر صدقه.

 

بِسّيْشه، تلك التي أحبّتني دون أن تراني، أصبحت وحدها، تواجه عتاب أفروديت وجبروتها. أمي لم تكتفِ بما حدث، بل جعلتها تسير في دروب المستحيل: طلبت منها أن تجمع بذور العالم في ليلة واحدة، أن تنتزع صوف الشمس من الخراف النارية، أن تسير إلى العالم السفلي وتعود بقارورة من جمال بيرسيفوني.

وكانت تفعل… بشجاعة من يحب، بإصرار من لا يملك إلا قلبه. كانت تسقط وتنهض، تبكي وتصلي، وتردد اسمي كأنني وطنها المفقود.

 

وكنت أراقبها، من بعيد، من خلف الغيم، من بين تنهيدة ونجمة. كنت أصرخ داخل صمتي: “اصمدي، حبيبتي، فأنا لم أخلق إلا لأحبك.” رأيتها تسير في الظلمة وهي تحمل النور في عينيها، وعرفت أن حبي لها ليس خطيئة، بل مصيرٌ خُلق قبل أن تُخلق الآلهة.

 

ذهبتُ إلى زيوس، كبير الآلهة، ووقفت أمامه، لا كسهم، بل كرجل عاشق. قلت له: “لقد أحبّتني، ولم تطلب خلودي، بل حناني. اجعلها من نورٍ، فإن روحها أطهر من كل الأولمب.” رقّ قلب زيوس، وابتسم، وباركنا.

 

صارت بسيشه إلهة، وصارت حبيبتي علنًا، لا ظلًا يتخفّى في الليل. عقدنا زفافنا على مشهد من النجوم، وكان الفرح في السماء أبهى من كل مواسم الخلق. قبّلتها… وكانت القبلة حياة، عودة، بداية لكون جديد.

 

أنجبت لنا بنتًا، أسميناها “هيدونا”، إلهة البهجة والسرور، لأننا حين نحبّ كما أحببنا، يولد من الحب فرحٌ أبدي لا يفنى.

 

 

 

صوت بسيشه:

 

أنا بسيشه، تلك التي سقطت في حبّ لا يُرى، وأمسكتُ بيد حلمٍ بلا وجه.

كنتُ فتاة تُغني الطيور حين تمشي، لكن لم أفهم الحياة حتى التقيته.

لم أره، لكنني شعرت به، كأن نسيمًا دخل رئتي فجعلني أتنفس للمرة الأولى.

كل ليلة كنت أذوب فيه دون لمس، دون رؤية، ومع ذلك كنت أعرفه…

كما تعرف الروح خالقها.

 

حين ابتعد، شعرت أن الكون انطفأ. لم أعد أنا، بل شظايا قلب يبحث عن دفئه. خضتُ المهالك، لا لأنني شجاعة، بل لأن الحب الذي بداخلي أقوى من الموت.

كنت أتألم، وأفكر في صوته… في همسه حين يقول اسمي كأنني المعجزة الوحيدة في هذا الكون.

 

وعدت إليه. لكني لم أعد تلك الفتاة التي تنتظر ليلًا مجهولًا. عدت امرأة نضجت في العشق، وتطهرت بالدموع، وكسرت الأقفاص لتصل إلى الجَناح.

وعندما مدّ يده نحوي، عرفت أنني وصلت.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *