الكاتبة عاليا عجيزة
لم تكن “إلينا” تهرب من شيء، بل كانت تركض بكامل إرادتها نحو مصيرها المقدر. كانت خطواتها حثيثة، وهي تتسلق درجات السلم الحجري الشاهق المؤدي إلى قلعة “كراوفيل”، المعقل الأخير لسحرة الظل الذين طُردوا من المملكة السفلية منذ أكثر من ثلاثة قرون. كان ثوبها الأبيض الزاهي، بخامته الثقيلة وطياته الطويلة، يترجرج مع كل حركة يصدرها جسدها المتعب، مخترقًا عتمة الليل، وكأنه شعلة نقاء مفاجئة وسط عالم محكوم بالرماد والصخر.
كانت سماء الليل مكفهرة، ملبدة بغيوم رصاصية ثقيلة تمنع ضوء القمر من ملامسة قمم القلعة. وفي الأعالي، فوق الأبراج القوطية التي تكاد تطال السحاب، كان هناك غراب أسود ضخم يجوب السماء، يفرد جناحيه الممتدين، وكأنه ظلال متحركة تحرس هذا المكان المنسي. لم يكن طائرًا عاديًا؛ كان الجميع في القرى المجاورة يعلمون أن هذا الطائر هو عين الكونت “فالين” التي لا تنام، والرسول الذي يسبق الموت أينما حلّ.
توقفت إلينا لثوانٍ معدودة لتستريح، وأمسكت بطرف فستانها كي لا تعثر على الدرج المبتل برطوبة الليل. كانت الفوانيس الحجرية المثبتة على جدران الحصن تطلق ضوءًا برتقاليًا شاحبًا، يرقص على حجارة البناء القديمة، ويلقي بظلال طويلة ومربكة حولها. لم تكن شجاعتها نابعة من رغبة في البقاء، بل من يأس مطلق. لقد ضرب “طاعون الظلال” مدينتها، وأصاب شقيقها الصغير، ولم يكن هناك سوى هذا الحصن الملعون ليقدم العلاج، ولكن مقابل ثمن لا يجرؤ أحد على التفكير فيه.
عندما وصلت إلى قوس المدخل الرئيسي، انفتحت البوابة الحديدية الضخمة من تلقاء نفسها، بصوت احتكاك مريب ينخر العظام. كانت تفوح من الداخل رائحة العتق، ومزيج من البخور الغريب ورائحة العاصفة القادمة.
— “لقد قطعتِ شوطًا طويلًا في العتمة، يا ابنة العمدة.”
انبثق الصوت من أروقة السلم الداخلي. كان الصوت هادئًا، رخيمًا، ولكنه يحمل نبرة قاسية تخترق العظام.
رفعت إلينا رأسها لتشاهد رجلًا يرتدي عباءة سوداء داكنة، ينحدر نحوها بخطوات موزونة لا تصدر صوتًا. كانت عيناه تتوهجان ببريق فضي غير بشري. كان هو الكونت فالين، حارس السر الأخير.
وقفت إلينا بثبات، رغم ارتجاف أطرافها، وقالت: — “لم آتِ للبث في شكواي، يا لورد فالين، بل جئت لإتمام الصفقة التي قُطعت قبل ولادتي. لقد أديتُ الشرط، وارتديتُ رداء التضحية، كما كُتب في المنشور القديم.”
ابتسم فالين ابتسامة باردة، ودنا منها حتى باتت تفصل بينهما خطوات قليلة. نظر إلى فستانها الأبيض بنظرة فاحصة، ثم رفع عينيه إلى السماء، حيث كان الغراب لا يزال يطوف بانتظام فوق البرج الأكبر.
— “يعتقد عامة الناس أن هذا الفستان هو زينة للموت أو رداء للعروس، لكنهم لا يفهمون الجغرافيا السحرية؛ فالأبيض هو اللون الوحيد الذي يمتص السحر ولا يعكسه. إنكِ لم ترتدي هذا الرداء لتكوني ضحية، بل لتكوني الوعاء الذي سيسحب اللعنة من جسد شقيقكِ، وينقلها إلى قلب هذا الحصن.”
صُدمت إلينا، وشعرت ببرودة تسري في عروقها بدلًا من الدماء.
— “ماذا تقصد؟ هل سأموت هنا؟”
أجابها، وهو يشير نحو البئر الحجري القابع في منتصف الفناء الداخلي:
— “لا، الموت أرحم بكثير. السحر يتطلب التوازن، يا إلينا. لتنقذي حياة، يجب أن تصبحي الجزء الأبدي الذي يحفظ هذا المكان. هذا الغراب المحلق في السماء فوقنا… لم يكن دائمًا طائرًا. لقد كان سيد هذا الحصن قبلي، ودفع الثمن نفسه ليقضي على الوباء الذي اجتاح أراضيه قبل مئة عام.”
تراجعت إلينا خطوة إلى الخلف، لكن البوابة الكبيرة أغلقت خلفها بفرقعة مدوية، وحاصرتها الظلال من كل جانب. انطفأت الفوانيس على الجدران دفعة واحدة، ولم يعد يضيء المكان سوى البريق الفضي في عيني فالين، والضوء الخافت الصادر من ردائها الأبيض، الذي بدأ يتوهج فجأة بخيوط ضوئية دقيقة.
نزل الغراب من السماء بسرعة فائقة، واستقر على حافة السور القريب، مائلًا رأسه نحو إلينا، وكأنه يشفق عليها أو ينظر إليها كرفيقة جديدة في هذا السجن الأبدي.
أخرجت إلينا خنجرًا صغيرًا كانت تخفيه بين طيات فستانها، لا لتقاتل به فالين، بل لتقطع الخيط الأخير من ترددها. جرحت كفها، وسمحت لقطرة دم واحدة بأن تسقط على حجر البئر. في تلك اللحظة، تدفقت طاقة هائلة من السلم الصخري، وارتفعت أصوات همس قديمة تهتز لها الأبراج.
— “أمامكِ الخيار الآن، إما أن تتراجعي وتعودي، ويدفنون شقيقكِ عند الشروق، أو تتقدمي خطوة واحدة، وتمنحي هذا الحصن روحكِ، ليظل سدًّا مانعًا للدمار عن بقية العالم.”
أغمضت إلينا عينيها، وتذكرت وجه شقيقها الصغير وهو يبتسم لها قبل أن يفتك به المرض. فتحت عينيها بثبات جديد، وألقت الخنجر جانبًا، ورفعت طرف ثوبها الأبيض المتوهج، ثم تقدمت بخطوة واثقة نحو عمق الحصن، وهي تعلم أن اسمها سيصبح قريبًا مجرد حكاية، ترويها أسطورة غراب آخر يطوف بالسماء.
![]()
