الكاتبة منال ربيعي
.
خرجتُ من رحم الألم لا من رحم النور، وُلدتُ على جزيرة منفى تتقاذفها الرياح، لا يجرؤ على احتضانها أحد، لا أرضٌ تُرحّب،
ولا سماءٌ تُبارك. أمي ليتو كانت تطاردها هيرا بجنونٍ ملتهب، فهربت بي في بطنها، باحثة عن ملجأ لم يجرؤ أحد على منحه لها.
وحين جاءت ساعة ولادتي، كنتُ أول ما تنفّس من جسدها، فلم أبكِ، بل فتحت عينيّ ونظرتُ في عينيها…
ورأيتُ الوجع كلّه يسكن فيها، فقلت في صمتي: “أنا لكِ، وسأكون لكِ دومًا.”
ولدتُ، وقبل أن أجفّ من ماء الحياة، مددتُ يدي إلى بطن أمي لأُخرج توأمي، النور الذي أشرق من بعدي… أبولو.
كنتُ أوّل من حمله، أول من سمع صرخته، وأول من رأى في عينيه وهج الشمس. منذ تلك اللحظة، أنا وهو ندور حول بعضنا، هو يسكن النهار، وأنا أحرس الليل.
أبي؟ زيوس؟ لا أقول إنه لم يكن، بل أقول إنه كان حاضرًا دائمًا… بالغياب. ترك أمي تلد في المنفى، خائفًا من غضب زوجته.
لم يحضر ولادتي، ولم يُقبّل جبيني، ولم يكن درعًا لنا. رأيتُ أمي تبكيه، وتخفي عني جُرحها، ففهمتُ أن الرجال لا يمنحون الأمان، حتى لو كانوا آلهة.
منذ كنتُ صغيرة، طلبتُ ألا يلمسني رجل، وألا أكون عبدة في بلاط العشق. طلبتُ قوسي من الفضة، وخدمتي من العذارى،
وأن أسكن الغابات والجبال، حيث لا أحد يأمرني. أردتُ أن أكون حُرّة، كما لم تكن أمي.
عشتُ بين الغزلان والذئاب، أراقب العالم من بعيد. لا أقترب كثيرًا، ولا أسمح لأحد بالاقتراب.
وحين تسلّل أكتايون، ذلك الصياد الفضولي، ورآني أستحمّ في نقاء نبعٍ لا يشرب منه سواي، لم أصرخ ولم أختبئ…
بل نظرت إليه بعينيّ، وقلت له: “ما لم تأذن له روحي، لا يحقّ لعينيك أن تراه.” ثم نفختُ نسمةً من فمي، فتحوّل إلى أيل، ومزّقته كلابه التي ربّاها. أنا لا أقتل بوحشية، بل أُعلّم بقسوة.
أما توأمي أبولو، فأحبّ كثيرًا… لكنه لم يمتلك أحدًا. أحبّ دافني، فهربت منه وتحوّلت إلى شجرة، وأحبّ كاسياندرا، فرفضته ونبذته. هو يحب، لكن من بعيد. اختار أن يُغني عن الحب، لا أن يحيا فيه، لأنه، مثلي، رأى ما فعله أبونا زيوس، ولم يشأ أن يكون صورةً عنه. نحن الاثنان أبناء امرأة جُرحت باسم الحب، فاخترنا أن نكون أنقياء، حتى لو متنا وحيدين.
أنا أرتميس.
إلهة الصيد والعذرية والقمر.
أنا التي لا تُحتَوى، ولا تُختَصر، ولا تُهدى كجائزة. لا أرفض الحب، لكني أرفض أن يُجرّدني من كرامتي. لا أكره الرجال، بل أكره الميراث الذي يجعلهم يكرّرون أفعال زيوس وهم يبتسمون.
أنا القمر…
أدور في السماء وحدي، ولا أضيع.
أضيء ظلمة البنات، وأسمع صلوات العذارى، وأبعث الحنين في قلوب من ظنّوا أن الوحدة ضعف. وحدتي تاج، لا قيد. هدوئي قوة، لا انسحاب.
أنا أرتميس…
ولا أحد يبلغ القمر،
إلا حين يستحقه.
![]()
