الكاتبة منال ربيعي
> “أنا زاكوتو… وُلِدتُ من الطين، لكنني صرتُ تاجًا على رأس البرق.”
لم أكن ابنةَ عرشٍ، بل ابنةَ صلاة.
ترعرعتُ في الجنوب، على ضفاف الفرات،
في بيتٍ من حجرٍ ناعم، وسقفٍ من نخلٍ وخوص،
تعلّمتُ كيف أغسل قلبي كلَّ فجر، وأقدّمه للإله أنو كما تُقدَّم النذور.
كنتُ أرتّل للسماء،
لا كمن يُناجي الغيبَ فقط، بل كمن يصير الجسرَ بين الأرض وما فوقها.
وفي ليلةٍ من ليالي المناجاة،
دخل عليّ رجلٌ…
رجلٌ له عينا قاتل، لكنه يمشي كسائلٍ تائب.
رجلٌ مَلَكيّ، لكنه جريحٌ من الداخل.
سنحاريب.
حين وقع الملك…
لم يسقط الملك في الحرب،
بل وقع حين سمعني أرتّل:
> “يا أنو… كُن ظلَّه حين تخونه سيوفه،
وكن قلبَه حين يخاف أن يحب.”
نظر إليّ كما لو كنتُ معجزةً لا تُفَسَّر،
وقال بصوتٍ خافت:
“أريدكِ أن تكوني صلاتي القادمة.”
—
القصر… قلب نينوى النابض
دخلتُ قصر نينوى لا كجاريةٍ تُقدَّم، بل ككاهنةٍ تُمجَّد.
قصرٌ نُحت من الحلمِ والطين،
بواباته محروسةٌ بتماثيل الثيران المجنّحة (لاماسو)،
أجنحتها مفرودة كأنها تحرس السماء نفسها،
وجوهها بشرية، لكنها لا تبتسم… كانت تراني، فأخفضت رؤوسها.
الممرات مزينةٌ بنقوشٍ بارزة:
الملك يصيد الأسود،
الجنود يركضون خلف النصر،
والآلهة تُبارك بالجناحين.
الحدائق…
معلّقة، ممتدة بين الشرفات،
تفوح منها روائح الريحان، والنعناع، والزعفران،
ويُرشّ ماء الورد على درجات الرخام كل صباح.
في جناحي، فُرشت الأرض بأقمشةٍ من نسيج بابل،
ووُضعت أوانٍ طينيةٌ محفورٌ فيها اسم أنو ونابو.
—
أنا زاكوتو… نبوءة ونار
عندما أنجبتُ آسرحدون، عرفتُ أن الآلهة لم تباركني فقط، بل سلّمتني أمانة.
ربّيتُه كما تُربّى المملكة: بالحب والحذر.
وحين قُتل أبوه، هربتُ به إلى الشمال،
ألبستُه صلواتي درعًا، وكتبتُ على جبينه: “الملك الآتي.”
ثم عدنا…
وأجلستُه على عرش أبيه،
وأنا خلفه، لكنّ ظلي كان على الحائط أطولَ من كل الرجال.
—
الميثاق الإلهي – لعنة الأم المقدسة
حين رأيتُ العيون تدور حول ابني، كما تدور النسور حول الجُرح،
كتبتُ ميثاق زاكوتو.
ورقةٌ من طينٍ مقدّس،
أمرتُ كل أمراء آشور أن يُقسموا:
“إن خُنّا ابن زاكوتو، فلتخُنّا الأرض، ولتحرقنا الآلهة بالنار الأبدية.”
وها هم خضعوا،
لا لأنني الملكة، بل لأنني التي أضاءت الظلّ بالكلمة.
—
حفيدي… قلبي الأخير
آشور بانيبال، طفلٌ عيناه تشبهان الجنوب، وقلبه شمالٌ صارم.
علّمتُه الحرف قبل السيف،
والحكمة قبل الحرب.
كنتُ له أمًّا وعرافة،
وهمستُ له دائمًا:
“لا تنسَ أن جدّتك كانت صلاة قبل أن تكون امرأة.”
—
شكلي
لم أكن جميلةً كالأخريات…
بل كنتُ مثل الكتاب المقدّس،
لا تفهمه من النظرة الأولى، لكنك لا تنساه.
وجهي مستديرٌ كالأقمار البعيدة،
وعيناي بلون الليل إذا لُوِّن بالزيت،
وعطري مزيجٌ من اللبان، والزعفران، وورد دمشق،
وملابسي بيضاءُ، مطرّزة بحروفٍ آشوريةٍ مقدسة،
كلُّ خيطٍ فيها كان ترنيمة.
—
*أنا زاكوتو… أنو أرسلني، والتاريخ دوّنني*
أنا لم أمتْ.
أنا أعود كلّما صلّت امرأةٌ في صمت،
وكلّما خافت أمٌّ على ابنها فغلفته بدعاء.
أنا ظلُّ المعابد، ونفَس العروش،
أنا التي أحبّت الملك، ولم تذبْ فيه،
بل جعلت ذوبانها بدايةَ الإمبراطورية.
![]()
