كتبت: ملاك عاطف
تسمع الانفجار الأوّل، فتسارع إلى السيّارة مع إخوتها.
للفرار مع ما تبقّى من أنفاسهم القليلة المرتجفة التي نجت من عثرة الرعب، ثمّ يقذف صاروخٌ آخر.
ويرمي اجتماع العائلة بسهام الافتراق مقطّعًا قرب أجسادهم إلى أشلاء تتلاعب بها ريح الفَرار.
تقف نسمة مفزوعة، ويغرق وعيها في صرخةٍ طويلةٍ لا إراديّةٍ تتداخل في صوت الصاروخ الثالث الذي يزمجر معلنًا قدومه إليهم.
يهدّئها أخوها رجب ممطرًا أسماعها بجملٍ تختلف في كلماتها وتتماثل في معناها.
وكلّها تبثّ في روحها الحافية من السّكينة بعضًا من أمانٍ مختلق.
“أنت بخير، تصرخيش يختي تصرخيش”
ثمّ انقطع الصوت، وسرت قشعريرة الفقد في أوصال احتياج نسمة.
ولم تبصر سوى رجولةٍ متهاويةٍ وقامةٍ دقت قوّتها بالأرض دقًّا فتّت كلّ ما فيها من حولٍ وحيلة.
توقّف الزمن عند صوت رجب، كأنّه يترجّاه ألّا يكتم، كأنّ ساعاته باتت تستحي من أن تمرّ على روح نسمة المشبعة بالتمزّق المصابة بهلوسات الصدمة.
ثلاثون شهيدًا طفَوْا على سطح بركة صمتٍ أبديّ، وعامت أشلاؤهم في دمائهم.
ورحلوا إلى الرفيق الأعلى غير آسفين على الذي لاقوه في دنياهم.
فاضت أرواحهم إلى بارئها، ونسمة تستوقفها بنداءاتها المجروحة.
تركض بين الجثث بلا هوادى، وتسألهم أن يستفيقوا، وعقلها ينكر حقيقةً تحفظها كلّ خليّةٍ فيها أكثر من اسمها.
“قوموا قوموا، ساعدوني، أخويا بين ايديّا”
كأنّ استغاثتها العمياء تلك اهتدت بفطرة كرامتها إلى أنّ الأمل بالموتى أنفع بكثير من الأمل بغيرهم من الأحياء أولو الضمائر الجافّة!
ولم يقم أحد من الشهداء لمساعدتها، بل هي من أفاقت من سكرة النازلة وراحت تطلب النجدة من عمّها، ليحملا رجب إلى المستشفى.
وتبدأ نسمة بالإفصاح عن مستحيلٍ آخر خبّأته بين أوتار قلبها المعلّق بأخيها الغالي رجب.
حين مدّدوه على سرير المستشفى، سألت الأطبّاء أن ينقظوه، فقال الأوّل إنّه شهيد، وأبت جوارحها أن تصدّق؛ فنادت طبيبًا آخر وقال:
*هذا يختي عينيه مقلوبات*
فتوسّلت إلى الثالث باسم خطواتها المنهكة التي طبعتها على حطام الشوارع المقفرة من وسائل المواصلات.
باسم دفء الأسرة والوصال الذي كان بينها وبين رجب، باسم الأمل والرجاء، باسم حياتها الآيلة إلى الإعتام بدونه:
“دكتور أمانة، آخر مرّة، بس افحص نبضه، اعمل له ضغط صناعي، أي اشي”
ولم تكن تعلم أنّ الشهادة سرقته من بين أيدي حنانها، وأنّ الجنّة اصطفته ليكون من أسيادها.
وأنّه قد كتبَ على عمرها الباقي أن ينقضي بدون رجب.
هذا هو الفقد في غزّة، يتّشح بالمرارة، ويختتم بقهرٍ يداريه احتسابٌ لا يضاهى.
![]()
