الكاتب محمد طاهر سيَّار الخميسي
في عالمٍ ملِيءٍ بالجمالِ والرَّوعة، حيثُ النجُومُ تُضيءُ سمائي في المساءِ، وتتفتَّحُ الأزهارُ في الحقولِ في الصباح، وتنطلقُ الطُّيورُ في الفضاء؛ كان لي طَائرٌ يمتلكُ صوتًا جميلًا، وقلبًا نقيًّا، وروحًا خلاقة.
هو من علَّمني الشعرَ وروعتَه، وعرَّفني على جمالِ اللغةِ العربية، وعلَّمني كيف أتأملُ في الطبيعةِ، وكيف أستمتعُ بجمالِ الحياة؛ من حيثُ القراءةُ والمُطالعةُ والتأمُّلُ الدقيقُ في الأشياء، بعين الحاذقِ المُتمعِّن، لا بنظرةِ السطحي.
كان يتلو عليَّ بيانَ الشعرِ من مكانٍ رفيعٍ، راقٍ في فصاحتهِ وبلاغتهِ. ومن فرطِ هيامهِ بالشعر، كان يحدو به كحداءِ الحادي بالنَّغم، وهو يتبعُ إبلهُ في الصحراء.
كنتُ أُروقُ لسماعِ صوتهِ حينما يتلو بيانَ قصائده، مغرِّدًا فوقَ قممِ جبالِ حجَّة وشوامخِها، ثم ينحدرُ بي إلى هضابِها، نزولًا إلى أوديتها، ويتسلَّقُ أشجارَها، ويسبحُ في غُيُولها، ويُداعبُ بأناملهِ حبُوبَ القمح، ويأخذُ من كلِّ بستانٍ وردةً، كما تأخذُ النحلُ من أزهارِ سدرِ العُصيمات، ومن سدرِ وادي دوعَن، وتصنعُ منه عسلًا يمنيًّا من الدرجةِ الأولى.
قلبُهُ مرآةٌ تعكسُ السماءَ الجميلة، يُدرِكُ سرَّ جمالها، ويخترقُ بنظراتهِ الأدبيةِ أعماقها الأزرقِ الصافي، يرى في ذلك العالمِ العُلويِّ ما لا تراهُ عين، بنظرتهِ الإيجابية، لا بعينٍ سلبية.
شاعرٌ عظيمٌ، كالـبَحرِ المتلاطمِ، صفحتُهُ تمحو كلَّ ما هو سيِّئ في هذا الكون، وقلمهُ كريشةِ رسَّامٍ بارعٍ، يرسمُ بالشعرِ صورتَه الحقيقية، حتى لا يتغيَّر ولا يتبدَّل، ولا يَبلى على العصور.
يحفظُ الكثير من أشعارِ العصر الجاهلي، والأموي، والعباسي، والأندلسي، والحديث، حتى استقى الفصاحةَ من أبياتِ الشعراءِ ومن أفواههم.
ارتقى شاعرًا فصيحًا منذ نعومةِ أظفارهِ، يعلو بالشعرِ، ولا يعلو عليهِ؛ يمتلكُ خيالًا واسعًا، وأدبًا جمًّا، فهو الأديبُ الحصيفُ في بيانهِ، والشاعرُ الفذُّ في أبياتِه.
يصوغُ شعرًا بديعًا ويتلوه، علَّمني كيف أكونُ فصيحًا، وكيفَ أمتلكُ خيالًا واسعًا، فصِرتُ بهِ ذلك الأديبَ الذي كان يُراهنُ عليهِ.
كنَّا نَجتمعُ أنا وإياهُ بغيرِ ميعاد، نَسبحُ في بحرٍ من الأفكارِ والخواطرِ، تحتَ سماءٍ صافيةٍ، نقيةٍ، خاليةٍ من الضجيج؛ في مكانٍ مُنعزلٍ، نتدارسُ فيه الشعر، ونقرأُ الكتبَ الدينيةَ، والأدبية، والتاريخيةَ، بكلِّ أنواعِها.
نخترعُ أماكنَ غير هذهِ، وأزمنةً غير تلك، نترصَّدُ النجومَ، ننظُرُ إلى منكبِ الجوزاءِ ونتفقَّدُه، كلٌّ منّا يختارُ مكانَه بين النجوم، نُواسي بناتِ النعشِ في أبيهنَّ الفقيد، ونُزَوِّجُ الثريا بسُهيل.
نستلهمُ بعضَ القصائد، ونبدأُ في سجالٍ بأبياتِ الشعراءِ العربِ القُدامى، كعنترة بن شدَّاد، وامرئ القيس، والمتنبي، وشعراءِ الغزلِ العفيفِ، مثل جميلِ بثينة، وقيسِ بن الملوَّح، وكثيرِ عزَّة… الذين وصفوا النجومَ في قصائدهم.
وكيف كانوا يعيشونَ في الصحراءِ، ويتأمَّلونَ في النجومِ… ننظرُ إليها، ونحلمُ بالسماءِ الصافية، ونحاولُ أن نرتقي لمستواهُم في الشعرِ والأدبِ. كنا نتعلَّمُ منهم كيف نكونُ فُصحاء في كلامنا، ونمتلكُ خيالًا واسعًا، نستلهِمُ الأفكارَ والصورَ الجميلة، ونسعى لنكونَ مثلهم في فصاحةِ اللفظِ وبهاءِ التعبير.
غاب عن ناظري، ولم يغب… طار بأجنحتهِ من ريفِ حجَّة إلى فضاءِ مدينةِ عمران، حَلَّق في سماءِ الجامعة، ولم يهبط فيها، بل ارتقت أجنحتُه الوارِفةُ في سماءِ العلم، وأخذ مكانًا عليًّا.
وبقيتْ ذكرياتُه في قلبي، وأثرُ كلامهِ في أذني. مكانتُه في القلبِ فريدةٌ، لم يصلْ إليها أحدٌ سواهُ؛ فهو جميلُ الخُلُقِ والخِلقة، ومجالستُهُ كنزٌ ثمينٌ لا يُعوَّض، ومقابلتُهُ لا تُقدَّر بثمن.
إنَّه قمرٌ يُضيءُ بنُورهِ وبهائهِ، مثلُ مصباحٍ في عَتَمةِ الليل، وسِراجٌ ينيرُ حين تغيبُ الشمس، ويَشتدُّ الظلام. لا أستطيعُ أن أكذبَ في وصفهِ، فأنا أعرفُ عنه الكثير.
شخصٌ طيبُ الأصل، عقلانيٌّ، واسعُ الخيال، وقلبُهُ نقيٌّ وجميلٌ كالثوبِ المطرَّزِ اللامعِ. جبينُهُ مُشرقٌ، يلمعُ بالبهاءِ والجمالِ، وابتسامتهُ عفويَّةٌ لطيفة.
لهُ مكانةٌ عاليةٌ واحترامٌ كبيرٌ بين أصدقائهِ المُقرَّبين، وفضيلتُهُ الأبرز: التواضع مع الأحباب. علاقتي به كانت كعلاقةِ الأخِ بأخيهِ، نتشارَكُ الأفكارَ العميقةَ، والمشاعرَ الصادقةَ، ونتحدَّثُ بحريةٍ وانفتاح.
صرنا مُقرَّبين لدرجةِ أننا نفهمُ بعضنا دون حاجةٍ للكلام. علَّم المجدَ نفسَه، واكتسبَ الشرفَ العظيم، وأخذ أعلى مراتبِ الرُّقيِّ والرِّفعة؛ لأنهُ ينتمي لسلسلة نسبٍ عظيمةٍ، من شرفاءِ الخُلقِ والأدبِ.
![]()
