الكاتبة آلاء العقّاد
في مساءٍ هادئٍ من أمسيات المدينة المتعبة، جلستُ على سطح منزلنا أبحث عن شيءٍ يُشعرني بالسكينة، وسط كل هذا الضجيج الذي لم يعد يُسمع فقط، بل يُشعر في القلب قبل الأذن.
نظرتُ إلى السماء، كانت صافية على غير العادة، مرصّعة بالنجوم، كأنها تتحدّى قسوة الأرض بجمالها.
كان القمر مكتملًا، يُضيء المكان بنوره الهادئ، ويغسل الحزن العالق في الزوايا.
تنهدتُ بعمق، ثم أغمضتُ عيني… للحظات فقط، لكنها كانت كافية لتأخذني بعيدًا، إلى عالمٍ مختلف.
هناك، في عالمي الصغير الذي صنعته في ذهني، لم تكن هناك طائرات تُرعبنا، ولا صواريخ تهدم البيوت فوق رؤوس أصحابها. لا قصف، لا دماء، لا صرخات أمهاتٍ يبحثن عن أطفالهنّ بين الركام. لا حصار يُميتنا ببطء، ولا جوعٌ يحفر وجوه الأطفال. كل شيء كان جميلًا… بسيطًا… كما يجب أن تكون الحياة.
رأيتُ الناس يضحكون بلا خوف، والأطفال يركضون خلف الطائرات الورقية، لا خلف شاحنات الإغاثة.
رأيتُ شوارع نظيفة، وأبوابًا مفتوحة، وقلوبًا مطمئنّة. شعرتُ كأنني في وطنٍ آخر، أو ربما في الوطن كما كان يومًا… قبل أن تلتهمه الحرب.
لكن، كما هي العادة… لا يدوم الحلم طويلًا.
فتحتُ عيني، فعاد كل شيء كما كان… بل أسوأ.
الطائرات ما زالت تحلّق في السماء، لكنها لا تحمل الأمل، بل تحمل الموت.
عاد القصف ليقطع سكون الليل، وصوت الانفجارات يهزّ القلب قبل أن يهزّ الأرض.
الشهداء يسقطون كل يوم، والدموع لا تجف، والحصار يضيق أكثر فأكثر.
نظرتُ إلى الشارع، فرأيتُ أطفالًا ينامون على الأرصفة، أجسادهم النحيلة لا تحتمل حرارة الشمس الحارقة، ولا يجدون ظلًّا يقيهم، ولا مكانًا يؤويهم.
رجالٌ بلا عمل، ونساءٌ بلا أمل، ووجوهٌ تحمل ألف حكاية من الألم والخذلان.
في تلك اللحظة، شعرتُ بثقلٍ رهيبٍ في صدري.
تمنيتُ لو أنني لم أفتح عيني.
تمنيتُ لو أن تلك اللحظة من الحلم كانت هي الحقيقة.
رفعتُ رأسي إلى السماء من جديد، وقلبي يهمس بانكسار: حسبنا الله ونعم الوكيل… حسبنا الله ونعم الوكيل.
![]()
