الكاتبة فاطمة صلاح الدين بُجَّة
في صباح يومٍ مشرق، استيقظتُ بنشاطٍ وحيوية، وقلبي ينبض فرحًا. فهذا اليوم ليس كغيره، يومٌ مميزٌ بكل تفاصيله. مشاعري كانت مضطربة…إحساسٌ بالرهبة يعتري قلبي، وتارةً أشعر بحماسٍ جارف، وأحيانًا أخرى بالخوف من المجهول.
أسرعتُ على غير العادة في تجهيز نفسي، ارتديتُ أجمل ما لديّ من الثياب، وتزيّنتُ بحُليٍّ كانت قد أهدتني إياه صديقتي سارة، وهرولتُ مسرعة نحو الباب، وهممتُ بالخروج…لكن شيئًا ما أوقفني.
شللٌ أصاب قدميّ، وجمودٌ اكتسى جسدي. لم أعلم كم من الوقت بقيتُ واقفةً كتمثالٍ أصمّ بلا حراك…
فقد كانت الصدمة شديدة، وضاق صدري، وتزايدت نبضات قلبي.
رأيتُه….نعم، رأيتُه بشحمه ولحمه، بهيئته المعتادة وابتسامته المعهودة. لكن… ألم أدفن جثته بيديّ هاتين؟! كيف استطاع الرجوع؟!
وكأنه سمع ضجيج أفكاري، فأجاب بصوتٍ خافتٍ ممزوجٍ بشيءٍ من الجدية: الأموات لا يعودون يا عدن،
لكن أرواحهم تبقى تطوف حول من ظلموهم. هل ظننتِ أنكِ ستعيشين بسلامٍ بعد فعلتكِ المشينة؟
أنتِ سارقة…سرقتِ عمري الباقي، وأحلامي التي أصبحت الآن هباءً، ذبحتِني وتركتِني غارقًا في دمي.
سلبتِني حريتي، وجعلتِ مني مجرّد اسمٍ محاه الزمان من صفحات التاريخ. لكن الفرح لا يدوم لأحد،
والسعادة لا تُزرع في قلبٍ قاسٍ كالصخر. انتهت أيامكِ الجميلة… فاستعدّي لما هو آتٍ،
فمن يَقتل مرة… يموت ألف مرة، بضميرٍ يعذّبه، وكوابيسٍ تنزع نومه الهانئ، وروحٍ متقلبة بين حزنٍ وضيق. لقد جئتُ لآخذ منكِ ما سلبتِهِ مني… يا عدن.
فجأةً… أصبح صوته بعيدًا، لا أسمع سوى همسات، والرؤية أصبحت مشوشة، ثم لم أشعر بعدها بشيء مطلقًا. لا أعلم كم من الوقت بقيتُ فاقدةً للوعي، استيقظتُ فوجدتُ نفسي ملقاةً على الأرض وسط صالة منزلي. نظرتُ حولي… فلم أجد أثرًا لأحد. بدأ الرعب يتسرّب إلى قلبي، وجملةٌ واحدة تتردد في ذهني: من يَقتل مرة… يموت ألف مرة.
لم أفعل شيئًا سوى البكاء. أذرفتُ دموع الندم، لكن… وهل يُفيد الندم بعد الفعل؟!
اسودّت الدنيا في عيني، وأصبحت شمس الصباح المشرقة نارًا تلسع جسدي وتحرقه…
أو هكذا خُيّل إليّ. تحوّلت السعادة إلى كآبة، والفرحة إلى ترحة. لا سبيل الآن للهروب.
رفعتُ يديّ مستسلمة، وقررتُ أن أُسلّم نفسي لتأخذ العدالة مجراها. ربما يخفف عني آلامي، وتهدأ روحي…لكن ما زالت الحكاية بقية. فالاستسلام ليس سهلاً، والهروب ليس حلًا. فكيف السبيل؟
![]()
