كتبت: منال ربيعي
في البدء، كان الكلام.
وفي الانتهاء، لا يبقى إلا السكوت.
ذلك المقام العجيب الذي لا يدخله السالكون بكثرة الذكر، ولا بالخطابة، بل بالدخول في الصمت، حتى يصير الصمتُ هو الذكر، وهو الخطبة، وهو الصلاة التي لا يسمعها إلا الله.
ليس المقصود سكوت اللسان وحده، بل سكوت القلب عن التذمر، وسكوت النفس عن الترجّي، وسكوت العقل عن الضجيج. أن تسكن حتى لا يبقى فيك إلا نور يضيء من الداخل.
كان أبو الحسن الشاذلي يقول:
“إذا خلص قلب العبد من رغبةٍ أو رهبة، نطق الله على لسانه بما لا يدري”
لكنّ بعضهم لم يكن ينطق أصلاً، لأن الله صار يُلقي في قلبه ما يغنيه عن البيان.
في مقام السُكوت، يتحوّل السالك إلى مرآة، لا تتكلم لكنها تعكس النور كله.
ترى العارف جالسًا على صخرة، عينيه في الأفق، وفمه مطبقٌ كأنه نام، لكنه في الحضرة، يناجي ربّه بلغة لم تُكتب.
في ليالي القمر، كثير من الأولياء كانوا يجلسون على ضفاف النيل، لا يتكلمون، فقط قلوبهم تهمس: “رضيت، رضيت”.
كان أحدهم يُسأل: “ما سرّك؟”، فيمد يده نحو السماء دون أن ينطق. فيفهم السائل أن الجواب ليس هنا، بل في ما وراء اللغة.
امرأةٌ من أهل الله، لم تتكلم أربعين يومًا. وحين سُئلت، قالت:
“كنت أنتظر أن يخرج الصوت من مكانٍ غير اللسان… فخرج من العين دموعًا، ومن اليد عطايا، ومن النفس سلامًا”.
هكذا السُكوت، يصير فعلًا.
سكوتُ المهابة يوم حضر جبريل لسيد الخلق، لم يتكلم، لكن الأرض ارتجّت.
سكوتُ موسى على الطور، لم يُطالب برؤية، لكنه خُرّ صعقًا.
سكوتُ مريم، حين أشارت، فتكلم ولدها نيابةً عنها.
كل من ذاق، عرف أن السُكوت لا يعني الغياب، بل الحضور الكامل.
فحين يسكت القلب عن الشكوى، يسمع الفيض.
وحين يصمت الفم عن الرغبة، يفوح الرضا.
وحين يخرس العقل، يتكلم النور.
يا من تظن الكلام شفاء، جرّب السكوت.
ليس هروبًا، بل مقام، لا يناله إلا من زهد في البيان وطلب الأمان.
في السُكوت سرٌّ، وفي السرّ مقام، وفي المقام وِصال.
هذا المقام شديد الخصوصية، ولا يُدرك إلا بالذوق. لا يشبه مقامات العمل بل مقامات التجلّي.
![]()
