...
Img 20250713 wa0009

كتب: حسين العلي 

في السنوات الأخيرة، اقتحم الذكاء الاصطناعي حقل الكتابة الإبداعية، وبدأ يُنتج نصوصًا تبدو لأول وهلة محكمة، بل ومتقنة من حيث اللغة والبناء الظاهري. غير أن المتأمل فيها يدرك شيئًا أعمق وأخطر. افتقارها إلى الروح.

ليست المشكلة في الذكاء الاصطناعي ذاته، فهو أداة لا تملك ضميرًا ولا طموحًا ولا شغفًا. بل إن المشكلة تكمن في أولئك الكُتبة ، لا الكُتّاب ،الذين استسهلوا الطريق، واعتبروا أن النصوص المنتجة آليًا يمكن أن تكون بديلًا كاملًا عن الإبداع البشري، عن الوجع، عن الحنين، عن التجربة الداخلية التي تجعل من الكتابة فعل حياة لا مجرد تركيب جُمَل.

إن الذكاء الاصطناعي لا يقتل الإبداع، بل يقدّم ما يُشبهه، صورة مشوَّشة عنه. إنه مثل مرآة تعكس هيئة المقال و القصيدة أو القصة، دون أن تنقل الدفء الداخلي لها. فالنص الذي لا ينبع من عمق تجربة، ولا يتأرجح بين شكّ وكشف، لا يمكن أن يكون حيًّا. قد يكون مصاغًا بعناية، لكنه جامد؛ مثل تمثال رخامي بملامح دقيقة لكنه بلا نبض.

القتلة الحقيقيون هم من اختاروا الطريق الأقصر. من قبلوا أن يتخلوا عن الكتابة كعملية روحية وجودية، وتحولوها إلى طلب نص، أو “نسخ لصق”، ثم ينسبونه لأنفسهم. هؤلاء لا يسألون “ما الذي أردت أن أقوله؟”، بل يسألون: “هل يبدو هذا مثيرًا للإعجاب؟”. وهنا تُقتل الروح، وتُستبدل التجربة بالزينة، والعمق بالبريق السطحي، جسد بلا نفس.

الكتابة الحقيقية، منذ الأزل، كانت قائمة على المجازفة. الشاعر الجاهلي سار في الفيافي ليكتب بيتًا صادقًا، ونزار قباني سكب وجعه الخاص في قصائده، وجبران كتب بروحه أكثر مما كتب بيده. وغيرهم من الكُتاب و الشعراء والمفكرين، أما النصوص التي تُولّد الآن بضغطة زر، دون مراجعة حقيقية أو تفاعل داخلي، فهي تفتقد إلى شيء لا يُعلّم ولا يُستعار: النبض.
النص بدون روح مثل بيت بلا نوافذ، أو صلاة بلا خشوع. تراه مرتبًا، لكنه لا يحملك، لا يشبهك، لا يذكّرك بشيءٍ فيك.

الذكاء الاصطناعي قد يكون مفيدًا إذا استُخدم كما يجب: أداة تفكير، مُساعدًا في صياغة أو تحرير، وليس صانعًا وحيدًا للنص. الكاتب الحق هو من يدخل في علاقة صراع ودهشة مع اللغة، من يتهجّى التجربة أولًا ثم يصوغها على الورق. أما من يعتمد بالكامل على أدوات الذكاء الاصطناعي، فهو لا يكتب بل يُنسّق.

باتت النصوص تُنتج بالجملة، ويُقيَّم النص على أساس تفاعلات إلكترونية لا على أثره النفسي أو الجمالي، يغيب السؤال الجوهري: هل أحسستَ بهذا النص؟.

إن القارئ الحقيقي لا يُخدع بسهولة. قد ينبهر بلغةٍ منمقة، أو عنوانٍ جذاب، لكن حين يغوص في العمق، يشعر بالفارق بين نصٍ كُتب بذكاء، وآخر كُتب من جرح. بين نصٍ يُحاكي الإبداع، ونصٍ يَصدر عن صميم المعاناة أو التأمل أو الحُلم.

إننا لا نقرأ القصائد العظيمة لأن كلماتها موزونة، بل لأن وراءها نبضَ قلبٍ خائفٍ أو عاشقٍ أو ناقم. اقرأ بيتًا واحدًا لطرفة بن العبد، أو بيتًا لنزار قباني عن الحب، أو حتى سطرًا لكافكا عن العزلة، وستشعر أن النصّ لا يحدّثك، بل يسكنك. أما النص المعلب، فمهما بُذل في زخرفته، لا يَلبث أن يُنسى.

من يطّلع على كمّ النصوص المنتشرة حاليًا خصوصًا على مواقع التواصل أو في بعض المجلات الرقمية، يلاحظ ظاهرة خطيرة: تكرار النغمة، والأسلوب، والصور البلاغية ذاتها.

الجميع يتحدث عن “الغياب”، و”الحنين”، و”الظل”، و”الرحيل”… لكن بطريقة واحدة. كأن هناك مصنعًا واحدًا يُخرج مئات النصوص بقالب لغوي شبه ثابت. وهذا ناتج في الغالب من الاعتماد المفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي دون تدخل إنساني يعيد للكتابة تفردها. بل لقد أصبح بعض الكتبة يتفاخرون بقدرتهم على إنتاج ديوان شعر “في ساعة”، أو مجموعة قصصية “من دون مجهود”. لكن، أي قيمة لهذا الإنتاج إذا لم تكن فيه بصمة قلب؟

لنكن منصفين: الذكاء الاصطناعي لا يُفسد النصوص وحده، بل يُبرز هشاشة من يستخدمونه بلا وعي. هو كالمرآة: يُظهر لك ملامحك، لكنه لا يُمكنه أن يمنحك وجها جديدًا. إن لم يكن في داخلك شيء تقوله، فلن يقول عنك الذكاء الاصطناعي شيئًا يستحق أن يُسمع.

إنه أداة قويّة لمن يملك رؤيا، وخطرٌ على من يفتقر لها. الكاتب الحقيقي يمكنه أن يُوظّف الذكاء الاصطناعي لإعادة الصياغة، أو التحرير، أو التنقيح، لكنه لا يترك له مهمة الخلق. لأن الخلق فعلٌ إنسانيّ، وجوديّ، لا يُستعار.

الكتابة ليست حيلة لغوية، بل محنة شعورية. والكاتب الذي لا يشعر بآلام الولادة في كل نص، لن يلد نصًا حيًا. والذكاء الاصطناعي لن يقتل الإبداع، بل سيفضح زيفه حين يُستعمل بلا روح.

فلنُحافظ على النصّ حيًا. ولنجعل من كلّ كتابةٍ صادقةٍ، مقاومةً صامتة ضد الاستسهال، وضد الفراغ. لأن النص الذي لا يعبُر إلى الآخر، لم يكن يومًا نصًّا، بل مجرد جملة جميلة… بلا حياة.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *