كتب: حسين العلي
حين تجتاحنا المشاعر، ولا نملك سلاحًا سوى الورقة والقلم، نجد أنفسنا نكتب وكأننا نحاول أن نُسكتَ عاصفةً هوجاء تعصف في دواخلنا. نكتب لا لأننا نمتلك الجواب، بل لأن الكتابة تصبح سؤالًا مفتوحًا على اتساع الحياة، وجسرًا هشًّا نعبر من خلاله إلى ذواتنا لنفهمها أو لننجو منها. في لحظات الحزن، ننسكب على الورق كدمعةٍ لم تجد كتفًا تحتضنها، وفي لحظات الفرح نرتجف من وهج الشعور وكأن الحروف لا تكفي لنقل ما يغمرنا من نور. لكن، هل هذه الكتابات الصاعدة والهابطة مع أمواج الشعور تعني أننا متناقضون؟ هل نكتب ضد أنفسنا أحيانًا دون أن ندري؟
الكتابة، في جوهرها، ليست مجرد فعل ميكانيكي لسرد أفكار أو توثيق لحظات، بل هي طقس شعوري عميق، ومرآة لحالة الوعي الشعوري التي نعيشها أثناء الكتابة. فنحن لا نكتب من موقع الحياد، بل من موقع الانخراط الكلي في الحالة النفسية التي تسيطر علينا. ولهذا نجد نصوصنا أحيانًا متفائلة مترفعة، وأحيانًا أخرى منكسرة، سوداء، حزينة، تنوء بثقل ما نحمل من مشاعر مختلطة.
في لحظات الاكتئاب، تتسلل الحروف متثاقلة، مثقلة بالوجع، تطلب عزاءها في اللغة. وفي لحظات الصفاء، تتوهج الكلمات وتنضح بالحياة. هذه الازدواجية ليست خللًا، بل هي الطبيعة البشرية في تجليها النقي. فكما أن قلوبنا لا تنبض بنسق واحد دائم، كذلك أرواحنا لا تكتب بلون واحد.
هناك من يقرأ نصوصنا فيتهمنا بالتناقض أو الاضطراب النفسي، لأنهم لا يدركون أن ما نكتبه ليس بالضرورة بيانًا سياسيًا نلتزم به، ولا موقفًا نهائيًا عن الحياة، بل هو لحظة شعورٍ مكتوبة. واللحظات لا تُدين الإنسان، بل تكشفه.
إن الكتابة الصادقة لا تصدر عن كاتبٍ ثابت، بل عن إنسانٍ يتحول. هي ليست خيانة للحقيقة، بل التزام بالحقيقة الشعورية في لحظتها. ولهذا فإن الكتابة المتقلبة بين الضدين لا تعني أن صاحبها مزدوج الشخصية، بل أنه متصالح مع ازدواجية الحياة ذاتها.
من يكتب وهو في قمة الحب، قد يعود بعد شهر ليكتب عن الخيبة. ومن يكتب وهو في أحلك لحظات الحزن، قد يعود بعد يومين ليكتب عن الأمل. هذا لا يعني أن ما كتبه بالأمس كان كذبًا، أو أن ما يكتبه اليوم يُكذب ما سبق. بل يعني أنه إنسانٌ حيّ، يتفاعل مع ما يعيشه، ويكتب وفق ما يشعر.
فلو تعاملنا مع الكتابة كوثيقة قانونية، نُحاكم بها الكاتب ونُطالبه بالاتساق الأبدي، سنقتل روح الكتابة، ونُجبر الكاتب أن يصبح آلةً تنتج عباراتٍ عقلانية ميتة، بلا نبض، بلا روح.
النصوص التي تخرج من رحم الشعور المتقلب هي النصوص التي تعيش، لأنها تحمل في طياتها حرارة اللحظة وصدقها. وهي غالبًا النصوص التي يتفاعل معها الناس لأنها تُشبههم. فهي لا تعكس صورة مثالية عن الإنسان، بل صورة حقيقية، خام، صادقة، فيها الألم والفرح، فيها الانكسار والانبعاث.
وكم من نصٍّ حزينٍ كتبناه ذات يوم، وعاد ليُشعل قلب قارئٍ كان بحاجة أن يشعر أن ما يمر به إنساني، وأنه ليس وحيدًا في ألمه؟ وكم من نصٍ ملهم، كتبناه في لحظة انعتاق داخلي، وجعل شخصًا ما يؤمن بأنه يستطيع الوقوف من جديد؟
الكتابة هي أحيانًا صرخة، وأحيانًا صلاة، وأحيانًا نشيد حب، وأحيانًا لطم وجه. هي كلّ ذلك، وليست ملزمة بأن تكون شيئًا واحدًا دائمًا. نحن لا نكتب لنُثبت للعالم من نكون، بل لنكتشف من نكون.
نكتب لأن الورقة لا تقاطعنا، لا تُخطئ فهمنا، لا تُسقِط أحكامًا علينا. نكتب لأن القلم لا يطلب تبريرًا لمشاعرنا، بل يتركها تنساب. ولهذا، فإن اضطراب الكتابة ليس اضطرابًا فينا، بل هو انسياب طبيعي للحياة كما نحسها.
هذا كله ليس لمن يقرأ الكتابة كمنتج، بل لمن يقرؤها كمرآة نفس، كإشعارٍ بأن الكائن البشري هشٌ وعميق في آنٍ معًا. إن الازدواجية الظاهرة في النصوص ليست مرضًا، بل شهادة على أن الكاتب إنسان حي، يحيا ويشعر ويكتب بصدق.
إنها ليست ازدواجًا في الشخصية، بل تعددية في التجربة الإنسانية. والكتابة الحقّة لا تخرج من “عقل” حيادي، بل من “جوارح” حارّة، نابضة، موجوعة ومُحبّة في آن. ولهذا، فإن أعذب النصوص هي تلك التي كُتبت بدم القلب لا بحبر القلم.
![]()
