...

رسمة حلوة

أغسطس 7, 2025
Img 20250807 wa0008

الكاتب محمود عبدالله

 

 

أنا حبيبة، فتاة جامعية.

أعلم دائمًا أن غدًا أجمل بإذن الله،

هكذا أخاطب نفسي كل يوم، فظني بالله دائمًا لا يخيب، ويجعلني متأكدة أنني سأصل إلى ما أريده.

ولكن ماذا سأفعل في مسابقة هذا الأسبوع التي قدمتها الجامعة؟ هل حقًا سيتم تدوين اسمي ككاتبة ذهبية؟

نعم، أعملي جيدًا على ذلك وستكونين المركز الأول بإذن الله.

 

ولكن الوقت ضيق جدًا، ماذا سأكتب خلال الست ساعات القادمة؟

“الإبداع لا يأتي هكذا!”

أحتاج وقتًا أوسع لأسترسل في فكرة أستطيع بها الوصول إلى القمة،

ولكن هناك حافز مهم جداً ولا أريد أن أفوت على نفسي هذه الفرصة،

فرصة كتابة اسمي في قائمة الشرف في الجامعة.

 

ما رأيك أن تكتبي قصة محاولاتك للوصول والتميز رغم الصعوبات التي تواجهينها؟

فكرة جيدة! أنا سعيدة أنني سأكتب عن نفسي.

أعطيتك طرف الخيط، جمّعي أفكارك وابدئي سريعًا حتى لا تضيعين الوقت.

 

حالاً سأبدأ، فمشكلتي التي تحيط بي دائماً هي عدم استثماري للوقت.

فقد مر وقتٌ طويل، وأنا مختبئة خلف الكواليس،

وآن الأوان أن أخرج خيوط أفكاري التي حبستها عن الناس وجعلتها سراً بيني وبين نفسي.

 

فأنا كاتبة بارعة، ذات موهبة فطرية واستعداد وراثي للكتابة،

فأبي كاتب كبير، وقد ورثت منه الموهبة، وورثت منه الاحتفاظ بالكتابة لنفسه.

وتشكلت هذه الموهبة من خلال خبراتي الحياتية، وذلك من فضل الله الذي وهبني إياه.

 

بدأت الكتابة وأنا في سنٍ صغيرة جداً حينما وجدت فكرة بسيطة جداً بالنسبة لطفلة في عمر العاشرة،

فبراءة الأطفال دائماً ما تعطي الكثير من الأفكار.

كانت عبارة عن قصة قصيرة من صفحتين، ورسمة بسيطة في صفحة أخرى، ومجموعة من الألوان على صفحة أخرى.

 

استوحيت هذه القصة من أفلام الكرتون ومقرراتي الدراسية، وحبي للرسم كثيراً، وكانت كالتالي:

“كان هناك قرد صغير يحب الرسم، فرسم ذئباً فخرج له الذئب من الرسمة، فخاف القرد كثيراً وقطع الصورة بسرعة.

ثم رسم قرداً، فخرج له القرد من الرسمة، فأخذه وذهب به إلى أمه،

فقالت: من منكم ابني الحقيقي؟

قال الاثنان: أنا.

فاحتارت الأم وقالت لهم: سأسألكم بعض الأسئلة، ومن يجيب عنها سيكون ابني.

فسألتهم أسئلة، والاثنان يجيبان بنفس الإجابات،

حتى سألتهم عن أبيهم، فأجاب قرد ولم يجب القرد الآخر،

فحضنت ابنها وقالت له: أنظر ماذا فعلت، اذهب سريعاً وقطع هذه الرسمة.

فذهب القرد وقطع الرسمة، وعاد إلى أمه سعيداً مسروراً.”

 

كانت الرسمة والألوان كما ذكرت يشكلان غلاف القصة، وأطلقت على الكتاب اسم: “رسمة حلوة”

عبّرت عن الفكرة لأبي الذي شجعني كثيراً على الكتابة، وأعجبته الفكرة، وقال لي:

“اكتبي قصصاً كثيرة من هذه، وأنا سأنشرها لك.”

وساعدني في الكتابة وتخيّل القصص.

 

ولكن، وبعد فترة قصيرة توفي أبي، وتركني. وكنت متعلقة به كثيراً،

فأهملت الكتابة، وعشت مجموعة من التخبطات مع الأسرة التي فقدت عائلها الأساسي،

فتوقّف الكتاب عند القصة الوحيدة التي كتبتها.

 

كنت أكتب الشعر والمقالات القصيرة التي تعبّر عن فقد الأب،

وتنتقد مجموعة من السلوكيات الخاطئة في المجتمع الذي نعيش فيه.

 

ولكن تمرّ حياتي بالكثير من الأزمات والتقلّب، ما بين استقرار وانحدار.

فقدت أمي أيضاً، التي كانت الداعمة الأكبر لي بعد وفاة أبي،

وبدت الحياة مظلمة في وجهي.

 

فقررت أن أركّز كثيراً في دراستي حتى أنهي دراستي الجامعية،

وموهبة الكتابة التي ظلّت ساكنة فترة طويلة، أصبحت تهاجمني من جديد، وتقول لي:

“ارجعي لكتاباتك الجميلة، لا تنهزمي أمام هذه الصعوبات، أنتِ قوية وتستطيعين مواجهة ذلك!”

 

فكتبت عن الحب، وكتبت عن وسائل التواصل الاجتماعي،

وكتبت عن الوفاء،

ولكن كل هذه الكتابات حبيسة، تنتظر من يحرّرها.

 

ثم عادت إليَّ فكرة “رسمة حلوة”، فقررت أن أكملها تخليداً لروح أبي وأمي.

فكانت قصتي الأولى في هذا الكتاب: “أسرتي في الجنة”

 

وأصبحت الأفكار تخرج من رأسي كخيوط تنسلّ من بكرة خيطٍ كبيرة، طرفها في يدي، وآخرها في مقالاتي وكتاباتي.

فقد أصبح لديّ الكثير من الكتابات التي تجعلني أغزو ساحة الأدب،

ولكن ما يتملكني هي فكرة أبي عن الكتابة،

فقد كان دائماً ما يقول إنه يكتب لنفسه، وأنه كلما ضاق به الحال، انفرد بنفسه وأخذ يخرج أفكاره في أبيات شعر أو كتابة مقال يعبر فيه عن حالته، فيشعر بالسعادة.

 

وأنا ورثت منه هذا الشعور،

ولكن الآن، وبعد أن وضعت قدمي على أول سلم المجد الأدبي،

وأصبحت أنشر كتاباتي في إحدى المجلات،

وأبحث عن دار نشر لكتبي،

بات عليّ أن أصل بقصتي هذه إلى الكاتبة الذهبية،

ويبرز اسمي ويلمع على عناوين المجلة، وفي قائمة الشرف في الجامعة،

ليسطع اسمي بحروف من نور تظل مضيئة طوال العمر.

وأخبر أبي أن ابنته الصغيرة التي كنتَ تشجعها وتدعمها،

ستصبح من الكتّاب العظام، لتخلّد اسمك وتخبر الجميع أن الموهبة التي لديها، لم تكن لتكون لولا أنت.

 

حبيبة، حبيبة، هيا استيقظي لتذهبي إلى الجامعة.

حبيبة: ما هذا؟ هل هذا صوت أمي؟

هيا يا حبيبة، لأوصلك معي إلى الجامعة، وأنا ذاهب إلى العمل.

حبيبة: ما هذا؟ هل هذا صوت أبي؟

نعم هو صوت أمي، نعم هو أبي!

 

لقد كان حلماً جميلاً… يا ليته يتحقق على أرض الواقع.

قبل أن أنام، قرأت في موقع الجامعة أن هناك مسابقة في كتابة القصص القصيرة،

والمركز الأول سيكون صاحب لقب “الكاتب الذهبي”.

وبدا لي أن أكتب شيئاً، ولكنهم حددوا وقتاً ضيقاً.

وقررت ألا أكتب، ولكن الحلم أعطاني القصة المناسبة لما يريدون.

 

سأشارك في المسابقة بقصة كتابي الجديد:

كتاب “رسمة حلوة”

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *