الكاتبة نور عبد الله
أمسكتني كماشَةَ العقرب خاصتها من قميصي بقرف، وحبستني في قبوٍ يضع فيه الأسياد ما لا يحتاجونه من أغراض، وقد تفاجأتُ عندما زجّت بي هنا المرة الأولى، فأغلب المقتنيات عبارة عن كتب ومجلدات. الشمطاء تظنني أجهش بالبكاء خوفًا من دُجْن المكان وجوّه الرطب العَطِن، وواحسرتاه على تفكيرها البسيط الذي يوهمها أنها تعاقبني وتسجنني بصنيعها، غير أنها هي المسجونة بين تلك الجدران الصمّاء العالية، والمعتقدات البالية. أما أنا، فأسافر عبر الزمان، وأزور كل بقاع الأرض خلال فترات حبسي الطويلة داخل مقبرة الكتب. علّمتُ نفسي القراءة والكتابة بمساعدة الكتب التي يجهل الأغنياء قيمتها، أم هم عمدًا عنها يتعامَون. ومع كل كتاب أقرؤه، وكل عالم يفتح لي أبوابه للاكتشاف، أزداد إقرارًا أن المتنعّمين حمقى وبلهاء. كيف يمكن لأمرئ أن يرمي المعارف المكنونة بين هاتين الدفتين!
كنت أنغمس، أغوص، أغرق بين الأحلام، ثم ينتشلني من نشوتي صوت أمي التي لا يسعفها ضعفها، فتفك قفل الباب لإخراجي إلا عندما تفترس السماء نجمها، فيصطبغ ثوبها المزيّن بأزهار الجرس بلون الدماء المختلطة بأشلاء الشمس الذهبية.
![]()
