...
Img 20250808 wa0005

شعر: حسين العلي

 

سَقَطَ الصدى… على المدى

سَقَطَ الغِطاءُ عن الدماءِ وعن الردى

لا صَوتَ فيكَ… ولا مَدى

لا خَيمةٌ… لا بيتَ نارٍ في الدُجى

لا مُرْسَلونَ، ولا وِشاحٌ من نَدى

يا أيُّها الفردُ الوحيدُ على المدى

كُنْ أنتَ ما بقيَ الرجاءُ ولا الرجا!

 

**

قُم كالرمادِ إذا تناثرَ في الهَوى

وتفرّقتْ فيك الريحِ أسرابُ الضياعْ

 

قُم كالسؤالِ

إذا استفزّ مجرّةً

وغدا يسائلُها الزمانُ: متى الرجوعْ؟

 

قُم واغضبِ الآنَ

البكاءُ محرّمٌ

مَنْ ذا يُداوي من تمرّدَ في الجُرُوحْ؟

 

سقطتْ يمينُك؟

لا تَخفْ

التقطْ بيسراكَ ما بقيَ الضياءْ

واضربْ…

فلا عارٌ على مَنْ قد ضرَبْ

 

**

 

قُمْ من شتاتِكَ كالرُكامِ وكالضَبابْ

قُمْ واملأ الأفقَ العَريضَ من الخُطى

قُمْ وامْنَحِ الحيطانَ معنى الكائنات

قُمْ إنّ فيكَ الآنَ آلافَ الجهاه

قُمْ إنّ فيكَ الآنَ أرواحَ السُهاد

قُمْ واصنعِ الإنسانَ مِن وَجَعِ الترابْ

 

**

 

سَقَطَتْ وجوهُ الحاكمينَ كما الغُبارْ

سَقَطَ الكَلامُ… فلا كِتابَ ولا سُطورْ

خانَتْكَ أيدٍ كنتَ تحسِبُها جِدارْ

باعوا ظِلالَكَ… ثمّ قاسَموكَ في القبورْ

ضاعوا… كما ضاعتْ ألوفٌ في الحِصارْ

فاصرخْ!

فأنتَ الآنَ شعبٌ في النفيرْ

فاصرخْ!

ولا تَخشَ العَواقبَ والمَسيرْ

 

**

 

سقط القَناعُ عن القَناعِ، فمَنْ تراكْ؟

مَنْ أنتَ في وَجه العواصِفِ والخُداعْ؟

مَنْ أنتَ؟ إلّا هذه العينانِ من نارٍ وماء

إلّا اليدانِ من اشتباكِ الموجِ

إلّا البقايا من سُطورِ الأنبياءْ

 

**

 

فاجعلْ من العَدمِ اتّساعًا

من جُرحِكَ العاري دُروعًا

واجعلْ من ركامك اختراعًا

للندى، للضوءِ، للإنسانِ حِينَ يكونُ فِداءْ

 

**

 

سَقَطَ القِناعْ

والآنَ… إمّا أنْ تكونَ…

أو لا يكونَ وراءَكَ الدهرُ الذي يُعطي انتظارًا

فاصنعْ بنفسِكَ ما تشاءْ

كُنْ آخرَ المجدِ البعيدِ… وأولَ الأوفياءِ

 

**

كُنْ أيّها الإنسانُ آخرَ ما تبقّى

من شَجرةٍ زيتون

من قافيةٍ حرون

من سطرِ طفلٍ

في دفاترِ أوَّل الأسماءْ

 

كُنْ صُبحَكَ المذبوحَ،

واصطَبِرِ الخطى

لا ظلَّ فوقَك، لا غطاءَ ولا انتماءْ

الأرضُ قُدّامَ الجراحِ

كأنها صَخرٌ تَوارى فيهِ وجهُ الشُهداءْ

 

**

 

أينَ الذينَ أحببتْهم؟

ذهبوا…

تَركوكَ للأعَاصيرِ

في ليلٍ بلا أحدٍ،

ولا نجمٍ يُشيرُ إلى الضياءْ

 

سقطَ الذينَ تحسَبُهم،

أعطوكَ عهداً… ثم خانوهُ

فاغمضْ جُرحكَ الأوّلْ

ولا تُرِهِ البكاءْ

 

**

 

كُنْ ما تقولُ الريحُ إنْ ضاقتْ بلادُ الصبرِ

كُنْ برقاً

كُنْ هواءْ

كُنْ ما تبقّى من هديرِ البحرِ

إنْ سكتَ المساءْ

 

لا تنتظرْ أحداً

ولا تخشَ العَراءْ

فالصّمتُ نارٌ

والكلامُ دمٌ يُراقُ على الوِشاءْ

 

**

 

ماذا تُريدُ الآن؟

هل ترجو التواطؤَ من يدَيْ مَن باعَ ذِكرى الأمسِ في سوقِ الوباءْ؟

هل تنتظرْ؟

الانتظارُ جريمةٌ

والموتُ أهونُ

من تَمَنّي الارتِواءْ

 

**

 

اضربْ!

فإنَّكَ لا تزالُ على قيدِ البقايا

واصْرُخْ،

فإنّ الصوتَ يكفي كي يُهَشِّمَ قيدَ مَنْ باعوا الإخاءْ

واصْمدْ،

فإنكَ لا تزالُ تُسَمّى “أنتَ”

مادامت يدُكْ

تَحمي الجدارَ،

ومادامَ الدمُ المُهراقُ لم يُغسلْ بماءِ الأزكياءْ

 

**

 

واصنعْ من الموتِ الحياةَ،

ففي الحطامِ بدايَةٌ

تأتيك بعدَ نهايةِ الأعداءِ

فابدأْ بالدماءِ

وابنِ السّماءْ

 

**

 

يا أيها المتروكُ في زمنِ التخلّي

لا تُسلّمْ للظلامْ

وامشِ على الأشلاءِ

إنَّ بها دليلَك للبقاءْ

فكأنَّ فيكَ الآنَ شعباً

كأنَّ فيكَ الآنَ خيمةً لا تنحني

كأنَّ فيكَ الآنَ كلَّ الأرضِ

تنفجرُ ارتقاءْ

 

**

 

فانهَضْ…

كأنَّك آخرُ المعنى

وأوَّلُ ما سيُكتبُ بعد موتِ اللغةِ العمياءْ

 

وانهَضْ…

ولا تنظُرْ لظلِّكَ في الجدارِ،

فأنتَ أكبرُ مِنْ مرايا الكبرياءْ

أنتَ البدايةُ حينَ قال اللهُ: كُنْ

فكنتَ ناراً في الظلامِ،

وكنتَ في النسيانِ ضوءًا،

وكنتَ في الطوفانِ سفينةَ الأوفياءْ

 

**

 

قُمْ،

لا لتأخُذَ ما تبقّى

بلْ لتبدأَ ما يليقُ بكَ البدايةْ

قُمْ

وحدّقْ في العيونِ الخائفاتِ

وقُلْ: أنا لا أنحني

أنا الشظايا، والرجاءْ

أنا الدُموعُ وقد وعَتْ

أنا البلادُ إذا سكنت

واشتدّ العَناءْ

 

 

أنا الذي…

إنْ ضاعَ كلُّ الناسِ… أَبقى

وأَصنعُ من رمادِ الخذلانِ… انتماءْ!

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *