الكاتبة أرزاق مُحمّد
أنا ذلك السِلكُ الشائِك ، الذي أجرحها بصمتٍ وألفُّ يديها المُكبلتين بلا رحمة ، تلك المرأةُ التي حاربت بكلتا يديها منذ زمن بعيد لم تعُد تذكره ، إنتهى بها الحالُ إلى أن أُلتف حول معصمها النحيل والخشن من قساوة الأيام وفاجعة القدر ، وأشعر بيديها تلك ترتجفان تحت قبضتي الحديدية في برد الخوف القارس ، تطلقُ صرخات مستنجدة تملأ الهواء ،لكن لاأحد يسمعها ولاأحد يراني ، أنا ذلك السلك أداةُ القهر ، ورمزٌ للأسر ، لكنني شاهداً على الظُلم .
أشعُر ببرودة معدني تتسلل إلى جلدي ، بينما يدور حولي صمتٌ قاتل ومهيب ، عيناها المعصوبتين تحجبان عن العالم الرؤية ، لكن الألم لايمكن أن يختفي أبداً ، إنّهُ يتسلل إلى كُلِّ بقعة من جسدي ، يجعلني أشعُر لاتلقائياً أنني مسؤول عن هذا الألم ،
فأنا لستُ سوى سلك شائِك ، لكنني جزءٌ من قصةٍ أكبر، قصة عُنف ، قمع ، وقهر وألمٌ لايمكن أن يُحتمل ، أشعُر بكل شيء بأنينها وشهقاتها المكبوتة ودموعِها التي تتساقط على جبيني فتكادُ تُحرقُني ، أشعر بيديها المُكبلتين ترتفعان وتنخفضان مع كل شهقة وكأنّهُ يخيلُ إليها بفعل ذلك أنها ستتحرر من قبضتي ، لكِن دون جدوى فلامهرب منّي وقد سكنتُ فيها ،
تلك الصرخَاتِ التي تملأُ الهواء لايسمعها أحدٌ إلّا أنا ، أنا فقط من يعرف بارتِعاشة جسدها ، ومن يعرفُ مدى الألم الذي تُكابده ، لكن أيضاً أشعُر بالعجزِ عن فعل أيُّ شيء سوى أن أكون شاهداً صامتاً عن هذا الظلم الذي تعرضت له دون أي ذنب اقترفتُه!
في كُلِّ مرّة تُحرك فيها يداها أشعُر بشدتي وتوتُري ذاك الذي يمتدُّ إِلى أعماقِ قلبي فيجعلُني أشعُر بالألم والإختناق ، أنا كما قلت لستُ سوى أداة ، لكننّي أمام جسدها الواهن أشعُر بكل شيء بالظُلم الذي لاينتهي فور أن أحررها منّي ، بل يمتدُّ إلى أعماقِ النفسِ ،
أنا السلك الشائِك، لكنني جُزء من قصةٍ إنسانية عظيمة قصة عن الوجع والكبت ، والصرخة التي لاتُسمع!..
![]()
