...
Img 20250812 wa0005

الكاتبة سارة عماد

 

أنا امرأةٌ معصوبةُ العينين، لا ترى النور، ولا الظلال، ولا حتى نفسها، لا لأنني لا أريد أن أرى؛ بل لأن الحياة أرهقتني برؤى لا تُطاف، فآثرتُ الظلامَ على مشهدٍ آخر من الخذلان؛ كأنّني خُلقتُ لأتلمّس طريقي في عتمةٍ لا تنتهي، أنزف دون أن أرى الجرح، وأبكي دون أن أعرف متى بدأ هذا الوجع.

أقف في زاويةٍ لا لون فيها، لا صوت، لا ظلّ، وحده الألمُ يملأ المساحة من حولي، يتردد صداه بين أضلعي؛ كأن ضلوعي جدرانُ زنزانةٍ صمّاء. 

أصرخ، لكن صرختي لا تشقّ الهواء، لا ترتدّ، لا تطرق أذنًا، كأنها تسقط ميتةً قبل أن تولد، أصرخُ من مكانٍ عميق جدًا، من حفرةٍ داخليّة لم يُلقِ فيها أحدٌ حتى نظرة.

يدايا مكبّلتان بأسلاكٍ شائكة، لكنها ليست من حديد، إنها أسوأ من ذلك؛ إنها أسلاك الصمت، صمتٌ قاسٍ، لزجٌ، متوحّش، كلما حاولتُ أن أبوح بشيء، انغرست الشوكات في جلدي، مزقت لحمي، وسالت دمائي من كلماتٍ لم تُقال، وآهاتٍ لم تُفهم.

كل شيء فيّ يوحي بأنني أتألم، كعيني المغلقة، وجهي المرتجف، أصابعي المرتعشة؛ حتى أنفاسي تصعد متقطعة كأنها تصرخ: “أُنقذوها!”

لكن لا أحد يسمع، لا أحد يرى، لا أحد يهتم.

تعلمتُ أن أبتلع الغصص، أن أبتسم وأنا أتألم، أن ألوّح بالسلام بينما أنزف من الداخل. 

هل تعرفون كيف يبدو الوجع حين لا يُعترف به؟

إنه يتحوّل إلى شيء آخر، إلى ندبةٍ في الروح، إلى حجرٍ يسكن القلب، إلى غصّةٍ تقيم في الحنجرة، تمنعك من الضحك، من التنفس دون ثقل.

أنا لست ضعيفة؛ لكنني منهكة، منهكة من دفن الصراخ في صدري، من خنق الكلمات وهي في طريقها إلى الهواء، من التظاهر بأنني بخير، بينما داخلي يحترق كأرضٍ جافة ابتلعتها النار، أكتفي فقط بالرجاء الصامت، بالدمع الذي لا يسقط، بالصوت الذي لا يخرج، وبالوجع الذي صار لي وطنًا، كم من المرات بكيتُ في صمتي، وضحكت أمام الناس، وعدتُ إلى وحدتي باكيةً، ممزقة من الداخل، كلما أردتُ أن أقول: “أنقذوني”، تذكرتُ أنني قلتها مرة، ومرة، ومرة، ولم يُصغِ لي أحد؛ فصرتُ أقولها داخلي فقط، وأربط حولها ألف عقدة من الصمت؛ حتى صار صوتي مقبرة. 

فأنا التي تحاول أن تبتسم، أن تصمد، أن تبدو قوية؛ لكني كل مساء أعود إلى وحدتي، أضعف من أي وقت، أنظر إلى يديّ المكبّلتين، وأسأل: متى أحرر نفسي من هذا الصمت؟

متى يسمعني أحد قبل أن أختفي تمامًا؟

أنا لست بخير، أنا أنزف تحت هذه العصابة، أذوب تحت هذه القيود.

أموت ببطء، وبصمت، وبكبرياءٍ لا يراه أحد؛ لكنّي ما زلت أتنفس، وما دام هناك نفسٌ واحد بي، سأتشبث به؛ لعلّ صرختي في لحظةٍ خاطفة، تصل أخيرًا إلى أحد.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *