...
Img ٢٠٢٥٠٨١٢ ٢٢٠٩٠٩

 الكاتب حسين العلي 

زوربا اليوناني: رقصة الحياة في وجه اليأس

حين بدأت قراءة زوربا اليوناني، شعرت بأنني دخلت عالمًا مختلفًا عن كل ما قرأت سابقًا.، لم أكن أتوقع أن أجد نفسي مُجذوبًا إلى عالمٍ يختزل تناقضات الوجود كله: الفرح والحزن، العقل والجنون، الخوف والتحرر. زوربا، ذلك العجوز المُتفجّر شبابًا، لم يكن مجرد شخصية روائية، بل صار صوتًا يدوي في داخلي، يُذكّرني بأن الحياة لا تُقاس بعدد الأنفاس، بل بعدد اللحظات التي جعلتنا نشعر بأننا أحياء.

في العلاقة بين زوربا والراوي، يتجلى الصدام الأزلي بين القلب والعقل. الراوي، المثقف المُثقَل بالكتب والشكوك، يبحث عن معنى الحياة في الأفكار المجردة، بينما زوربا يصرخ: “الحياة هي أن ترقص الآن!” كان زوربا يُحرّضني، كقارئ، على التمرّد على فخّ “الفهم المسبق” ذلك الاعتقاد بأننا يجب أن نفهم كل شيء قبل أن نعيشه. بكلماته وأفعاله، كان يُعلن أن بعض الأسئلة لا تُجاب إلا بالعيش، لا بالقراءة.

المشهد الذي وقف فيه زوربا يرقص على الشاطئ، بعد فشل مشروعه في نقل الأخشاب، كان هزةً وجودية. لم تكن الرقصة مجرد تعبير عن الفرح، بل كانت رفضًا للهزيمة. لقد حوّلَ الخيبة إلى حركة، والألم إلى إيقاع. هنا يكمن سر زوربا: القدرة على تحويل السقوط إلى طيران. في عالمنا اليوم، حيث يُقاس النجاح بالمكاسب المادية، تُجبرنا رقصة زوربا على التساؤل: ماذا لو كان الانتصار الحقيقي هو أن تظلّ قادرًا على الرقص، حتى عندما تنهار الجسور؟

كازانتزاكيس لا يقدّم لنا زوربا كشخصية ساذجة تنكر الألم. بل على العكس، زوربا عرف الخسارة جيدًا: موت ابنه، الفقر، الوحدة. لكنه اختار أن يُقدّس اللحظة رغم ذلك. هذا التناقض هو ما يجعل الرواية عميقة: السعادة ليست غياب المعاناة، بل هي الشجاعة أن تضحك وسط العاصفة. كما قال زوربا: “كل مشكلة في العالم يمكن حلها بالرقص… لو استطعنا الرقص جيدًا بما يكفي.”

تخيّل معي: الرجل الكبير في السن، بعد كل ما مرّ به من حزن وخيبات، واقف في مواجهة الحياة والموت، لكنه يقرر أن يرقص! ليس رقصًا تقليديًا فقط، بل رقصًا ينبع من أعماق روحه، كأنه يقول لنا بلا كلمات: “الحياة تستحق أن تُعاش حتى النهاية، بكل ألمها وفرحها.”

الرقصة هنا ليست مجرد حركات جسدية، بل هي تعبير عن تحدي اليأس، عن انتصار الإرادة، عن روح لا تنكسر.

في ذلك المشهد، شعرت بشيء كبير يتسلل إلى قلبي، شيء من الحريّة المطلقة التي يتحدث عنها زوربا طوال الرواية.

هذه اللحظة تجعلني أفكر: كم منّا يعيش حياته بوعي وحب كما فعل زوربا؟ كم منّا يختار أن يرقص رغم كل شيء؟

جزيرة كريت لم تكن مجرد ديكور، بل كانت انعكاسًا لروح زوربا: جامحة، بسيطة، وعميقة. البحر الذي يلامس الأفق، أشجار الزيتون المتجذرة في التراب، حتى رائحة الأرض بعد المطر كلها كانت تُذكّر بأن الإنسان جزء من هذا الكون، وليس سيدًا عليه. في زمن المدن الأسمنتية، حيث ننسى لمس العشب تحت أقدامنا، تُعيدنا كريت إلى بدائيتنا الجميلة.

عندما أغلقتُ الكتاب، شعرت كأنني ودّعتُ معلمًا. زوربا لم يُعلّمني كيف أكون سعيدًا، بل كيف أكون حرًا. الحرية التي لا تعني غياب القيود، بل الجرأة على مواجهتها. ربما هذا هو الإرث الأكبر للرواية: أن تُخرج من بين سطورها مُتمرّدًا صغيرًا، يحمل في قلبه سؤال زوربا الأبدي:
*”لماذا نعيش بحذر؟ الحياة كلها مغامرة… فلماذا لا نرقص؟”

كازانتزاكيس كتب ذات مرة: “آمل ألا شيء. أخشى ألا شيء. أنا حر.” زوربا هو تجسيد لتلك الجملة. والآن، بعد أن تقاسمت معك هذه التأملات، أجدني أتساءل: أي موقف في الرواية ترك فيك أعمق الأثر؟ وهل هناك شخصية روائية أخرى شعرت أنها غيّرت منظورك للحياة؟

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *