...
Img ٢٠٢٥٠٨١٣ ٢١٥٦٠٩

الكاتب محمود عبد الله 

في دولة المرابطين، كانت المرأة تسخر من جارتها إذا رأت سيف زوجها يعلوه الصدأ، أو مقبضه متسخًا. وكانت تعيّر أختها إن وجدت فرس زوجها هزيلاً جائعًا أو غير نظيف، فتقول لها متهكمة: “رأيت شعر حصانكم مغطى بالتراب وغير مهندم”، وكانت المرأة تفخر بزوجها قائلة إنها منذ أعوام لم تشم منه إلا رائحة صدأ سيفه ودرعه.

 

كان الشاب الذي يظهر عليه أثر العطور والطيب والدهن تزهد فيه النساء، ويرونه غير صالح للزواج، وتقول المرأة: “لا يصلح للزواج من لم تتلطخ قدماه بتراب المعارك”. وكان الشاب الذي لا يصلي، ولا يتعلم، ولا يجالس العلماء، في نظر الفتيات لا يصلح أن يكون أبًا لأولادهن، بل لا يصلح إلا خادمًا للأنعام في الحظيرة.

 

لهذا كانت النساء عونًا للرجال على أن يكونوا رجالاً بحق.

 

ما أجمل ما كانت عليه أمتنا في الماضي، مقارنة بما آلت إليه الأحوال اليوم؛ إذ صارت المرأة تتفاخر بجمال زوجها، وملبسه، وعطره، وسيارته، وأمور زائلة لا يصح أن يكون بها معيار الرجولة.

 

إن الخيانة التي تقع فيها كثير من النساء اليوم، هي ترك الزوج أو الابن أو الأخ لشهواته وملذاته دون تذكيره بالله، وهو ذات الإثم الذي وقعت فيه أمنا حواء، إذ ورد في بعض التفاسير أن عدم تذكيرها آدم بأمر الله ونهيه عن الأكل من الشجرة كان أصل الخيانة.

 

لقد نجحت الاتجاهات النسوية في إحداث قطيعة بين الرجل والمرأة، حتى صرنا نعيش حربًا لإثبات أيّهما الأقوى والأعلى شأنًا، وتجاوز الأمر إلى المطالبة بالمساواة في أمور قسمها الله بين عباده.

 

لقد أعطى الله كل ذي حق حقه، فلماذا نصل إلى هذا النزاع؟ وقد قال النبي ﷺ: “النساء شقائق الرجال، ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم”.

 

الحياة بطبيعتها تكاملية، تحتاج إلى الرجال والنساء جنبًا إلى جنب، كلٌّ يؤدي دوره الذي فرضه الله عليه. الدنيا لم تُخلق بالأمس، ولا في السنة الماضية، ولا منذ عشرين عامًا فقط؛ فكيف كان الناس يعيشون قبل هذا التطور المادي السريع؟ كانت الحياة هادئة مطمئنة، المرأة في كنف الرجل يحميها ويحفظها، وهي تحفظه وتحفظ بيته، وتعينه على طاعة الله.

 

في القرون السابقة، لم نعرف ما نراه اليوم من اضطرابات نفسية وضغوط وأمراض نفسية. هذه المصطلحات لم تظهر إلا حين بلغ ضجيج الصراع بين الرجال والنساء ذروته. أما شعارات “المساواة” و”الجندر” و”النوع” فلم تُسق إلى مجتمعاتنا إلا لهدمها، وقلب فطرتها، وجعل أوامر الله وأحكامه تضيع تحت أقدام قوانين وضعية مستوردة من أفكار غربية.

 

لقد كان المجتمع الشرقي مجتمعًا صالحًا هادئًا، يحترم كرامة المرأة، ويحفظ حقوقها، ويجلّ الرجل، حتى كانت الأمم الأخرى تحسدنا عليه في عصورهم المظلمة. أما الآن فقد أصبح مجتمعًا مشوهًا، تتفشى فيه ظواهر الطلاق، والإباحية، وقلة الأخلاق، وفساد الضمائر، وإدمان المخدرات، وسائر الفيروسات الفتاكة التي عصفت بمجتمعاتنا.

 

إن السبيل الوحيد للعودة إلى سابق عهدنا هو التكاتف والتكامل بين فئات المجتمع، رجالاً ونساءً، والعمل على استعادة إرثنا المضيء الذي كانت تحسدنا عليه الأمم.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *