...
Img 20250814 wa0047

 

الكاتبة منال ربيعي

 

مدّت العجوز يدها إلى وعاء صغير من الفخار، بدا كأنه خرج لتوّه من رحم الأرض. كان مليئًا بماء صافي، لكن كل موجة صغيرة فيه كانت تعكس وجهي بملامح مختلفة؛ وجه طفلة، وجه شابة، وجه امرأة لم أرها من قبل، لكنها تشبهني في العمق.

قالت بصوت ثابت:

“النذر ليس وعدًا تُطلقينه للعالم… بل عهدًا تعقدينه مع روحك الأولى، تلك التي كانت تعرف الطريق قبل أن تولدي.”

وضعت أمامي ثلاث قطع حجرية:

الأولى سوداء كجناح الغراب،

الثانية بيضاء تلمع مثل قمر مكتمل،

الثالثة حمراء تحترق من الداخل كجمر لم ينطفئ.

“اختاري حجرك، ففيه لون رحلتك المقبلة.”

لم أمد يدي فورًا. شعرت أن كل حجر كان يناديني بلغة مختلفة؛ الأسود يهمس عن العمق والظلال، الأبيض عن الصفاء والرؤية، الأحمر عن النار والتحوّل. وكلما اقتربت من أحدها، تغير نبضي كأن جسدي يعرف أكثر مما أعرف أنا.

رفعت عيني للعجوز، فابتسمت وقالت:

“البيت لا ينتظر، والباب الرابع يتهيأ… لكن تذكري: ما تختارينه الآن سيُكتب على جدرانه.”

وهنا، كانت أصابعي تلامس أحد الأحجار…

حين لامست أصابعي الحجر الأحمر، شعرت كأن دفقة من الدم الحي تسري في عروقي، كأن نارًا قديمة كانت نائمة في صدري قد استيقظت. العجوز لم تُعلّق، فقط أومأت برأسها وأخذت الحجر مني، ووضعته في وعاء الماء.

بمجرد أن لامسه، بدأ الماء يضطرب، وارتسمت على سطحه دوائر تتسع وتتسع حتى صارت كأنها باب من الضوء والنار. ومن داخل ذلك الباب، سمعت خرير نهر، ورائحة طين مبتل، وصوت خطوات تقترب.

فتحت العجوز بابًا خشبيًّا في الجدار الرابع، كان أضيق من أن يمر منه جسدي، لكنه كان يتسع كلما اقتربت. عبرته، فإذا بي أقف في ممر طويل تحفّه مشاعل حمراء، وعلى جدرانه رسومات لكائنات نصفها بشر ونصفها طيور، عيونها تتبعني أينما سرت.

في نهاية الممر، كان هناك قوس حجري تحته بئر عميقة، ومن حولها أوانٍ فخارية مكسورة، وكأنها تروي حكايات قديمة عن أناس جاؤوا قبلي وتركوا شيئًا لم يكملوه.

سمعت صوتًا يأتي من عمق البئر:

“إن كنتِ اخترتِ النار… فعليك أن تعرفي كيف تطفئينها حين تشتعل في غير وقتها.”

مددت يدي نحو الظلام، وعندها شعرت بيد أخرى تمسك بيدي بقوة… يد دافئة، لكنها مجهولة.

كانت اليد التي أمسكت بي قوية كجذر شجرة، دافئة كأنها تعرفني منذ زمن. لم أرَ وجه صاحبها، لكن صوتًا خرج من الظلام، عميقًا، كأنه ينبض من قلب الأرض:

 “أخيرًا جئتِ…”

ارتجفت، ليس خوفًا، بل لأن شيئًا داخلي أدرك أن هذا اللقاء مكتوب منذ قبل أن أولد. سألته:

 “من أنت؟”

ضحك، ضحكة قصيرة تشبه كسر حجر على صخر:

“أنا الذي انتظرك عند كل باب ولم تريه، أنا الحارس الأخير لبئر النار.”

اقترب أكثر، ومع كل خطوة كان الظلام ينحسر قليلًا، حتى رأيت عينيه… كانتا تشبهان العقيق الأحمر الذي أحضرته، لكنهما تحملان بريق ماء في أعماق جمر.

قال: “البئر ليست ماءً ولا نارًا، إنها أنتِ… كل ما تركته خلفك، كل الأبواب التي لم تفتحيها بعد. لكن حذارِ… إذا فتحتِ الباب الخامس قبل أن تتعلمي لغة البئر، سيبتلعك صداها.”

سكت قليلًا، ثم مدّ يده الثانية وأعطاني شيئًا يشبه المفتاح، لكنه كان مصنوعًا من ضوء نابض.

“هذا لا يفتح الأبواب… بل يفتحك أنتِ.”

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *