...
Img ٢٠٢٥٠٨٢٠ ٢١٢٤٥٦

الكاتبة سلمى أسامة علام 

 لا للتربية الإيجابية (بمفهومها الغربي)

منذ أن بدأنا في تربية أبنائنا وفق منهج التربية الإيجابية الحديثة، ظهرت لنا أجيال غريبة ومختلفة عنا. وفي سنوات قليلة حدثت فجوة كبيرة بين جيل الثمانينات والتسعينات من جهة، وأجيال الألفية أو ما يُعرف بجيل Gen Z وGen Alpha من جهة أخرى.

فما السبب وراء هذه الفجوة؟

من وجهة نظري، السبب يعود إلى أننا طبقنا مفهوم التربية الإيجابية من منظور الثقافة الغربية، دون أن ننتبه إلى أن هذا النهج لا يتناسب مع مجتمعنا الشرقي بما يحمله من معتقدات ودين. لقد نسينا أن أساس التربية الإيجابية موجود أصلًا في القرآن الكريم والسنة النبوية، فتركنا ميراثنا التربوي الأصيل وقلدنا الثقافة الغربية تقليدًا أعمى.

وهكذا أصبحنا كمن يرقص على السلالم: لا نحن تمسكنا بهويتنا العربية والإسلامية، ولا نحن انتمينا بشكل كامل إلى الثقافة الغربية. فنتج عن ذلك جيل بلا هوية واضحة؛ لا هو شرقي ولا هو غربي، بل شيء ضائع في المنتصف.

التربية الإيجابية في القرآن والسنة

التربية الإيجابية في جوهرها هي نهج يهدف إلى بناء الإنسان بطريقة تجمع بين الرحمة والحكمة، مع تعزيز القيم الإنسانية واحترام الذات والآخرين. والإسلام تناول هذا الموضوع بعمق، حيث ركّز القرآن الكريم والسنة النبوية على أهمية التربية المتوازنة التي تزرع الخير في النفوس وتبني مجتمعات قوية ومترابطة.

التربية الإيجابية في القرآن الكريم

1. اللِّين في التعامل
قال الله تعالى:

 

 “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ” (آل عمران: 159).
الآية تُعلّمنا أن الرحمة واللطف أساس التربية، لأن القسوة تُنفر وتُبعد.

 

2. التدرج في التربية
قال الله تعالى:

 

 “وَلَا تَقُولُوا لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا” (الإسراء: 23).
هذه الآية نموذج للتربية القائمة على الرفق والاحترام.

 

3. تعزيز الحوار
قال الله تعالى:

 

 “ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ” (النحل: 125).
التربية الإيجابية هنا تقوم على الإقناع والحكمة لا على الإجبار.

 

التربية الإيجابية في السنة النبوية

1. الرحمة مع الأطفال
قال النبي ﷺ: “من لا يَرحم لا يُرحم” (رواه البخاري).
وقد كان ﷺ دائمًا يُظهر المودة للأطفال، مما يعزز الثقة بين المربي والمُربَّى.

2. التوجيه بالحوار
في قصة الرجل الذي طلب الإذن بالزنا، لم يُعنّفه النبي ﷺ، بل أقنعه بالحوار قائلًا: “أترضاه لأمك؟” حتى اقتنع وابتعد عن الخطأ.

3. تشجيع السلوكيات الجيدة
قال النبي ﷺ: “الكلمة الطيبة صدقة” (رواه البخاري).
وهذا يؤكد أن التربية تبدأ بالكلمة الطيبة لا بالقسوة.

 

أسس التربية الإيجابية في الإسلام

1. الرحمة واللين: بناء العلاقة مع الأبناء على أساس الرحمة بدلًا من القسوة.

2. التواصل الفعّال: استخدام الحوار والإقناع بدلًا من الأوامر المباشرة.

3. الصبر: فالتربية تحتاج إلى وقت طويل وصبر دائم، كما قال ﷺ: “إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم.”

4. تشجيع الخير: مكافأة السلوكيات الحسنة بدلًا من التركيز على العقاب وحده.

 

الخلاصة

التربية الإيجابية في القرآن والسنة ليست مجرد نهج، بل هي رسالة إنسانية تهدف إلى بناء مجتمع متماسك، يبدأ من الفرد وينعكس أثره على الأمة بأكملها. لقد قدّم لنا الإسلام نموذجًا متكاملًا للتربية يجمع بين الحب، الحكمة، والرحمة، ويغنينا عن استنساخ نماذج غربية لا تناسب هويتنا.

فلنقل: نعم للتربية الإيجابية المستمدة من القرآن والسنة، ولا للتربية الإيجابية المقتبسة من الغرب.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *