...
Img 20250808 wa0316

 

كتبت: سارة أسامة النجار

 

نتعثر بين حبائل القدر، ونقفز من فوهة إلى أخرى بحثًا عن الصراط المستقيم، فتدفعنا الحياة إلى حافة الهلاك دون أن نخلع عنّا استقامة القيم. نؤمن بالقضاء والقدر، توكلًا لا تواكلًا، فنهرول بين الموت والجوع دون أن تسقينا زمزم الأمان.

 

كيف لإنسان أن يجابه التيار وهو يتأرجح بين مئات الراكضين نحو شاحنات المساعدات، وبين زقزقة أمعاء أبنائه الخاوية؟ صراع يمزق الروح وينصهر فيه المنطق. وجدتني أجني فكرة أن أنضم إلى سيل الجائعين، لا طمعًا، بل من أجل رعيتي الذين ينتظرون مني أن أرعاهم بما يستحقون. مضيت وأنا أردد: “سآخذ فقط حصتي، لن أسرق لقمة غيري، فقط حصتي.”

 

وعندما وصلت، كان الآلاف يتدافعون كطوفان بشري، شعرت بوخزة في صدري، لكن بكاء أطفالي كان المحرك الأكبر. تغلغلت بين الناس دون خبرة أو تجربة، وعندما اقتربت من الشاحنة، اجتاحني الطوفان، جرفني معهم، حتى صرت طريح الأرض. في تلك اللحظة، داست عجلات الشاحنة المحمّلة بالأطنان قدمي، أسرعت وسحبتها قبل أن تُفرم، وبقيت أنزف على الأرض، أطلب النجدة، دون أن يلتفت إلي أحد، وكأنني غير مرئي بين جموع الجائعين أو مرضى الجشع.

 

بعد وقت ليس بالقصير، لمحني أحد أصدقائي، فهرع نحوي، يدق ضمائر الناس لمساعدتي. كانت المهمة أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش، حتى لمع أمامه معدن رجل أصيل، ساعده في حملي إلى خارج سرب المهاجرين نحو المساعدات. بعدها جاء جاري، ونقلني إلى المشفى، وأنا أكتم وجعي من قدمي، ووجعي الأكبر على عائلتي التي لم أتمكن من إخماد جوعها.

 

كسرت قدمي، ولم يتمكن الأطباء من إجراء الجراحة فورًا بسبب بركة الدم التي غمرت المستشفى وازدحامها بالمصابين. بعد يومين، تقرر إجراء العملية لترميم الكسر ببلاتين داخلي، وكان تفكيري محصورًا في أنني سأكون رهينًا لعكاز يتخبط بين أوتاد الخيام أو شوارع الدمار، لستة شهور أو أكثر.

 

هذا ما حدث، ولم يكن بالحسبان، مع السيد عبد الرحمن عوض أبو لحية (أبو علي)، رجل بكل ما تحمله الكلمة من معنى. برقي أخلاقه، ونبل سلوكه، وطيب أصله، كان يد العون لمن طلبها، لا يبخل بعطائه، أجبرته الحرب والمجاعة أن يسلك طريقًا مختلفًا بنيّة صادقة، لكن أمثاله من الشرفاء المتعففين هم أول ضحايا فوضى تدفق المساعدات وتجار الحروب.

 

دعوات السلامة لهذا الرجل الطيب، ودعوة جماعية للتوقف عن التوجه نحو طريق الهلاك. نعم، الجوع قاسٍ ولا يُحتمل، لكن لو نظمنا أنفسنا، سنضمن توزيع المساعدات بعدالة، ونوقف هدر الأرواح. فالغزيّ يستحق أن يعيش بكرامة.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *