سارة أسامة النجار
“كلوا، هذا هو جسدي… وهذا هو دمي، فاشربوا.”
هكذا ختمت الكاتبة الفلسطينية سميرة عزام قصتها الخالدة “خبز الفداء” ، التي تركت أثرًا لا يُمحى في قلبي. يومها، في الصف الحادي عشر، سقطت دموعي على كتاب اللغة العربية، وامتزجت الحروف بملح العين. اقتربت مني معلمتي، تطبطب على كتفي، وهي تشرح لنا رمزية الخبز الملطخ بالدم، وكيف تحوّلت سعاد إلى أيقونة للفداء، حين اخترقتها رصاصة غادرة وهي تنقل الخبز إلى رامز ورفاقه، فامتزج دمها بالخبز، وصار جسدها ودمها قربانًا للوطن وحماته.
كانت قصة رمزية تغرس فينا الثوابت الوطنية، وتعلّمنا أن التضحية ليست فعلًا عابرًا، بل حياة تُمنح للآخرين.
لم أتخيل أن قصة كُتبت عام 1960 ستصبح واقعًا بعد خمسة وستين عامًا.
في أحد أيام العدوان، خرج “كريم” إلى نقاط مرور المساعدات، يساعد في نقل الشهداء إلى المشفى. وبينما يُنزل الجثامين من الشاحنة، لمح كيسًا صغيرًا من الرز، فتشبث به، علّه يُطعم أبناءه الجوعى. لكن رصاصة غادرة اخترقت يده، فسقط أرضًا، والرز بين يديه، مختلطًا بدمه.
قبل أن يتلقى العلاج، ناول الكيس لزوجته، وهمس لها: “اطبخي لهم… لا تدعيهم ينامون جوعى.”
أطاعته، وعادت إلى خيمتها، تفتح كنز أطفالها، فوجدت الدم قد تسلل إلى حبات الرز. تاهت بين الجوع والدم، بين الأمومة والفجيعة. غسلت الرز، وطهته، وأطعمته لصغارها، وهي تشعر أن السم يلتهم جسدها مع كل لقمة تضعها في أفواههم.
زوجها، الذي فقد يده، بات عاجزًا عن تأمين قوتهم، لكنها كانت تعرف أن ما أُطعم اليوم ليس رزًا فقط، بل جسدًا ودمًا ، تمامًا كما قالت سعاد قبل أن ترحل.
في تلك اللحظة، أدركت أن رز الفداء بات حصة متكررة في فصول حياة الغزي، الذي يدفع روحه ثمنًا للخبز، والدم ثمنًا للرز، والكرامة ثمنًا للبقاء.
وفي غزة، لا يُؤكل الطعام إلا ممزوجًا بالفداء.
ولا تُروى الأرض إلا بالدم.
ولا تُكتب القصص إلا حين يسقط الجسد على المائدة، ويُقال: “كلوا… هذا هو الوطن.”
![]()
