الكاتبة منال ربيعي
وطنٌ لا تُحدهُ خرائطٌ ولا تُقيدهُ حدودٌ، وطنٌ يسكنني قبلَ أن أسكنهُ، يزرعُ في روحي أشجارَ الطمأنينةِ، ويكسو قلبي بظلالِ الأمانِ. حينَ أراكَ، أشعرُ أني وجدتُ الفردوسَ المفقودَ الذي طالما بحثتُ عنهُ في الناسِ والأماكنِ، فإذا بي أجدُه متجسدًا فيكَ، نقيًا صافيًا، كأنكَ نهرٌ أبديٌّ يفيضُ بالسكينةِ، أو واحةٌ خضراءُ في صحراءِ روحي العطشى.
أنتَ شمسُ النهارِ التي تُضيءُ ظلمتي، وقمرُ الليلِ الذي يرافقُ وحدتي، ونجومُ السماءِ التي تتلألأ حينَ يبهتُ الكونُ. كيفَ أصفُك؟ الوصفُ يخونني، والكلماتُ تقفُ عاجزةً أمامَ فيضِ حضورِك. أنتَ لستَ مجردَ إنسانٍ، بل جنةٌ على الأرضِ، جنةٌ لا تُرى بالعينِ بل تُحسُ بالروحِ. تُشمُ في عطرِ الهواءِ، وتُسمعُ في لحنِ صمتِك، وتُدركُ في دفءِ نظراتِك، حتى لتغدو الحياةُ نفسها أقلَ رحابةً من سعةِ صدرِك.
من يقتربْ منك يدركْ أن السعادةَ ليست وعدًا في آخرِ الطريقِ، بل هي أنفاسُك القريبةُ، وابتسامتُك المطمئنةُ، وصوتُك الذي يشبهُ ترتيلَ صلاةٍ، ونظراتُك التي تفتحُ أبوابَ السماءِ. أنتَ ملاذي حينَ تتناثرُ مخاوفي، ومينائي حينَ يرهقني التيهُ، وبيتُ العمرِ الذي لا يخونُ. فيك شعرتُ أن الحياةَ أوسعُ من همومِها، وأن الموتَ أهونُ من غيابِك.
أنتَ لي دنيا ببهجتها، وآخرةٌ بوعدِ خلودِها. ولأنكَ وطنٌ، فأنا مقيمٌ فيك، عابرٌ بك، لاجئٌ إليك، عاشقٌ لك حتى آخرِ العمرِ.
![]()
