كتبت: ملاك عاطف
الرسالة الأولى
15-8-2025
02:08ص.
شهرٌ كاملٌ مرّ على حصيلتي اللغوية وهي مركونةٌ بلا مبالاةٍ خلف خزانة الانشغالات، شهر كاملٌ يا آمنة، كان كفيلًا بأن يُهْبِطَ مخيّلتي درجتين على الأقلّ من سلّمِ الاتّساع. وهاأنا يا حُلوتي أكتب إليك للمرّة الأولى، وأدفن رأس مسؤوليّاتي في صدر أدبٍ أصوغه فيك، ثمّ أسرح ببصيرتي إلى البعيد وأتساءل: أيُّنا تكافئ الأخرى، أنا أم أنتِ؟
إنّني للمرّةِ الأولى أهربُ من هواياتٍ باتت أشبه بالهموم، أهربُ منها إلى الكتابة إليك، وأنت لم تتجاوزي عامك الخامس بعد!
ولكنّي وعدتُ نفسي أن أصيّر المعاني لك مدرسةً، وأن أطوّع رسالاتي في عينيكِ كحلًا، وأن أصنع لك عالمًا على مقاس طفولتك وتعلّقي بك وصباكِ في آن واحد، وأنا على ثقةٍ تامّةٍ بأنّكِ فذّةٌ لحدٍّ يسمح لك بتحليل كلماتي وفهمها بيسر.
أتمنّى أن أعثر أنا وأمُّكِ على مكانٍ رفيع وآمن ووسيعٍ يتّسعُ لرسائلي وتكون فيه بمأمنٍ إلى حين تكبرين.
أريدُ أن أعرّفكِ على نفسك ثانيةً بلطفٍ خفيٍّ كالّذي تمنّع أن يمتدّ إلى عمق براءتك؛ خوفًا من الحرب.
إنّكِ يا صغيرتي تعيشين أيّامًا أقسى من القسوة نفسها، ولكنك لم تعرفي سابقاتها؛ فصارت بالنسبة لك طبيعيّةً ومألوفة!
كلّ يومٍ أنا في سؤالي هذا أتقلّبُ ذات التعجّب وذات الاستنكار المكتوف بالحسرة: كيف يمكن للفرح أن يتلخّصَ في مسلّماتٍ يا أمّون؟ مسلّماتٍ انسلّت من الرفاهية في قطاعنا المحاصر؟ وهل فرحتك هي نفسها الفرحة التي يحسّ بها بقيّةُ أطفال العالم؟ هل تنتمي لذات الفصيل من الشعور؟
وإن لم تكن كذلك، فكيف هي إذن؟ وهل ستذوب في فرحةٍ أكبر قبل أن يسرق العُمُرُ منك باكورة سنونك الأولى؟
لا أدري ماذا يعتمل في صدر صغيرةٍ مثلك تقاسي هكذا ظروف، ولكنّي أوقِنُ أنّ أحدًا لن يملك مثل ملكَتك العفويّة يا حبيبتي، وأنّكِ الوحيدةُ التي استطاعت أن تستعيد شغف قلمي من لهو الحياة، دون آلةٍ، ودون أن تمدّي إليه يدك حتّى، ولكن بمعجزةِ نبضك البريء المفعم بحيويّةٍ لا تعرف للمسافات قياسًا ولا للحدود قيدًا ولا للبعد معنى من معاني البرد.
أتمنّى أن تقرئيكِ بعينيّ حين تكبرين.
معلمتك: ملاك.
![]()
