...
Img 20250611 wa0041

 

الكاتبة شمس سهيل

وبعد أَن جاهدتُ نفسي ولم أعد تلك الفتاة الانطوائية التي تجلسُ في غرفتها ساعاتٍ طويلة، ولم تكترث لمن حولَها،

وَلا تُبالي بِما يَحْدث مهما كان، قررتُ أَن أَعودَ كما كنت، وأعتزلَ كلَّ شيء؛ لم يكن قرارًا سهلاً

لكني اتخذتُه، فاعتزلتُ العالمَ والناسَ حتى المقربين منهم، صرت أجيب بكلمةٍ عابرة، أو نظرةٍ أو إشارةٍ بسيطة

وأتجاهلُ في كثيرٍ من المرات؛ لكن ضغوط الحياة صارت تذبحني

والشعور وصل بي لحد الاختناق، أصبحت ملامحي تتحدث عن الألم الذي يسكن في أعماقي

والتعب الذي يمزقني شيئًا فشيئًا.

 

يا صاحبي، كنت مدللةَ أبي وموضع أسراره، صديقة نفسي وأحلامي البعيدة والليل والقهوة والكتب التي كنت أشعر أنها تشرحني،

عاشقة العصافير والمطر والورود وشلالات المياه والأماكن الخضراء،

وكانت لي صديقةٌ ترياقًا لقلبي،

مهما ابتعدت عن كل شيءٍ لم أكن أستطيع اعتزالَها، كانت تجيد ترتيب نفسي باتصالٍ يتخلله حديثٌ دافئ

وبصمتٍ جميلٍ أحيانًا؛ لكن للأسف، الحربُ سلبت مني كلَ هذه الأشياء؛ فارتقى أبي وصديقتي،

والقهوة صارت في علب العرايس كما يقولون، والليل صار مخيفًا، وأحلامي تشوهت منذ أن خطف الموت أبي.

 

يا صاحبي، من قال إن الوجع في القلب فقط؟

دعني أخبرك أين تكمن المشاعر السلبية: الحزن على الأكتاف، والألم في المعدة، والتعب يظهر على ملامحي شيئًا فشيئًا،

والأرق تتحدث عنه الهالات السوداء التي تفضحني.

 

يا صاحبي، أتوق لكوب قهوةٍ في منتصف الليل؛ فأغرق في سوادها،

وتنفجر عيناي بدموعي التي أرهقها هذا الحبس الطويل قبل أن يرهقني أنا

كل ما أريده الآن يا صاحبي هو أن أبكي، أن أبكي دون توقف، ليتني أبكي الآن وأنا أكتب لك.

 

يا صاحبي، قررت اعتزال كلِ شيء؛ كي أبقى متماسكةً قدر الإمكان؛ لكن دون جدوى، قررت أن أختفي عن الناس؛

وأنا بأمس الحاجةِ لمن يجدني؛ حيث لم أجرؤ أن أبحث عن نفسي.

١١-٦-٢٠٢٥

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *