تحرير: مصطفى السيد
تشهد الأراضي الفلسطينية، وتحديدًا قطاع غزة والضفة الغربية، تصعيدًا عسكريًا هو الأوسع منذ عقود. فقد أعلنت مصادر فلسطينية أن عدد الضحايا تجاوز 55,000 شهيد وجريح حتى الحادي عشر من يونيو 2025، في ظل قصف جوي وبري متواصل طال المدنيين ومراكز الإغاثة والمستشفيات.
سياسيًا، تتجه أنظار المجتمع الدولي نحو مؤتمر الأمم المتحدة المزمع عقده في نيويورك بين 17 و20 يونيو، في محاولة لإحياء مسار “حل الدولتين”، وسط معارضة أميركية شديدة وتهديدات بقطع الدعم عن الدول المشاركة.
وفي هذا السياق، كان لنا هذا الحوار مع الباحثة السياسية علياء الهواري، التي قدّمت قراءة معمقة للمشهد، وتحدثت بصراحة عن الأطراف المستفيدة، تحديات القضية الفلسطينية، وأهمية التحرك الشعبي الواعي.
س1: كيف ترين تطورات المشهد العسكري والسياسي في فلسطين خلال الأسابيع الأخيرة؟
علياء الهواري:
ما نعيشه اليوم ليس مجرد تصعيد، بل انفجار كامل في ملامح الصراع. الأرقام مرعبة، والمجازر بحق المدنيين تُرتكب يوميًا في وضح النهار. هناك توغل إسرائيلي غير مسبوق، وقصف يستهدف المدنيين والمنشآت الإغاثية. سياسيًا، هناك حراك دولي ملحوظ، خاصة من دول أوروبا الغربية التي تحاول إحياء حل الدولتين، بينما تقف واشنطن في موقع معارض بشكل واضح، بل وتهدد من يشارك في مؤتمر نيويورك المرتقب.
س2: برأيك، من المستفيد من هذا التصعيد؟
>علياء الهواري:
إسرائيليًا، حكومة نتنياهو تستغل هذه الحرب لتعزيز سيطرتها، خاصة من قِبَل التيار اليميني المتطرف الذي يسعى لتوسيع المستوطنات في الضفة. إقليميًا، نجد أن إيران وحلفاءها مثل حزب الله والحشد الشعبي يستفيدون من حالة التوتر لتوسيع نفوذهم. أما دوليًا، فبعض القوى تحاول الاستثمار السياسي في الدم الفلسطيني، بينما تستخدم واشنطن هذا المشهد لفرض إملاءاتها على حلفائها وتهديدهم بشروط دعمهم.
س3: كيف تقيمين التغطية الإعلامية العربية للأحداث؟ وهل ترينها على مستوى الكارثة؟
علياء الهواري:
الإعلام العربي يولّي اهتمامًا كبيرًا بالفعل، وهناك تغطية مكثفة. ولكن – وللأسف – تغيب اللغة الإنسانية العميقة. نحن بحاجة لتقارير ميدانية تتحدث بلسان المصابين والناجين. التمويل محدود، والقيود الأمنية تعيق العمل الميداني. نحتاج لإعلام يُوثق، لا يكتفي بالنقل. المشهد يستحق تغطية ترتقي لحجم الكارثة.
س4: ما أبرز التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية حاليًا على المستوى السياسي؟
علياء الهواري:
الانقسام الفلسطيني لا يزال العقبة الأبرز، رغم اتفاق “إعلان بكين” في يوليو 2024. الانسجام الداخلي غائب، والخلاف بين فتح وحماس مستمر. إسرائيل ترفض الاعتراف بدولة فلسطينية، والولايات المتحدة تضغط لمنع أي مبادرة أحادية. كذلك، بدأنا نرى شروطًا من بعض الدول الأوروبية، مثل فرنسا التي ربطت دعمها بمسألة الإصلاح داخل السلطة الفلسطينية. التنسيق العربي موجود، لكن غياب الموقف الموحد لا يخدم القضية.
س5: هل ما نشهده اليوم هو مجرد حلقة في صراع طويل، أم بداية لمرحلة جديدة؟
علياء الهواري:
أراه بداية مرحلة جديدة بالفعل. التصعيد الحالي غير مسبوق من حيث الكثافة والأسلوب، وهناك استهداف مباشر للمدنيين والإعلام. داخليًا، إسرائيل نفسها تشهد انقسامات حادة حول التجنيد الإجباري والتمثيل السياسي، إضافة إلى انسحاب بعض عناصر الاستخبارات من العمليات العسكرية، ما يكشف عن تصدعات داخلية. نحن أمام مرحلة عنوانها: “لا عودة إلى ما قبل يونيو 2025”.
س6: ما الدور المنتظر من الشعوب العربية في دعم القضية الفلسطينية اليوم؟
علياء الهواري:
الدور الشعبي لم يعد هامشيًا. المسيرات المرتقبة، مثل “المسيرة العالمية إلى غزة” التي ستنطلق من القاهرة منتصف يونيو، دليل واضح على أن الرأي العام قادر على فرض واقع جديد. من خلال الضغط الإعلامي، التوثيق الحقوقي، والدعم الإنساني، يمكن للشعوب أن تغير المعادلة. الحكومات لا تتحرك دون ضغط شعبي جاد وموحَّد.
س7: ما الكلمة التي تحبين توجيهها في هذا الظرف التاريخي؟
علياء الهواري:
حافظوا على تضامنكم، وانطلقوا منحازين للإنسانية لا لخطابات الكراهية. ابحثوا عن الحقيقة في الميدان، دعموا الإعلام الحر، وساهموا بفعالية ووحدة. يمكن للوعي أن يكون بوصلتنا نحو تغيير حقيقي. لا تدعوا الدماء تُنسى، ولا تتركوا فلسطين وحدها في ساحة النسيان.
وفي النهاية:
وسط دخان المعارك وتهاوي البيوت، تبقى الكلمة النزيهة والتحليل الرصين ضرورة لا تقل أهمية عن المواقف السياسية والمساعدات الإنسانية. الباحثة علياء الهواري، بصراحتها وقراءتها العميقة، لم تُحمِّل الأحداث أكثر مما تحتمل، لكنها سلّطت الضوء على ما يجب أن نراه بوضوح: أن ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة، بل مفترق طرق تاريخي للقضية الفلسطينية، ولضمير العالم أجمع.
وفي زمن اختلطت فيه الأصوات، تظل الحقيقة الواضحة هي أن الصمت لم يعد خيارًا، وأن الوقوف إلى جانب الإنسانية لم يعد ترفًا، بل واجبًا.
![]()
