بقلم/حسين العلي
أيها القارئ الكريم…
تأمل معي في هذه الكلمات التي تلامس شغاف القلب، وتستفز الضمير النائم في أعماقنا. إنها صرخة مدوية في عالم صاخب، تحمل في طياتها ألماً وحنيناً إلى زمنٍ كان للمعلم فيه هيبة، وللتعليم قداسة، وللتربية قيمتها التي تعلو فوق كل اعتبار.
في زحمة الحياة المعاصرة، حيث تسير عجلة الوجود بسرعة مذهلة، نجد أنفسنا أمام مفارقة عجيبة: مدرسون بكفاءات عالية، ومناهج متطورة، وتقنيات تعليمية مبهرة، ومع ذلك.. هناك جيلٌ يبدو وكأنه فقد بوصلة الأخلاق، وتبخرت منه معاني الوداعة والاحترام.
لا نعمم، فبر الأبناء موجود، والتلاميذ الملتزمون كثيرون، ولكن الظاهرة المؤسفة تتفاقم يوماً بعد يوم. فمن أين تأتي المشكلة؟
يقول الشاعر حافظ إبراهيم: “الأم مدرسة إذا أعددتها أعدت شعباً طيب الأعراق”. فما بالنا اليوم وقد تحولت الأمهات في كثير من البيوت إلى أسيرات للشاشات الصغيرة، تغرقهن العالم الافتراضي ويغفلن عن العالم الحقيقي الذي يحتضن فلذات أكبادهن؟ والأب -مع انشغاله في متطلبات العيش- قد يظن أن دوره ينتهي بتوفير المأكل والمشرب والملبس، متناسياً أن التربية حوار متواصل، ومتابعة دقيقة، واهتمام بالتفاصيل الصغيرة التي تشكل شخصية الولد. الطفل الذي ينشأ في بيت لا يسمع فيه إلا صوت التلفاز، وعيون محدقة في الهواتف، ولا يجد من يحاوره أو يصحح له، ولا يرى قدوة أخلاقية في والديه، كيف نطلب منه أن يكون مهذباً في المدرسة؟ كيف ننتظر منه أن يحترم معلمه وهو لم يتعلم معنى الاحترام في بيته؟
تدخل المدرسة اليوم معركة وجودية، فهي لم تعد ذلك الحصن المنيع الذي يخرج الأجيال، بل تحولت إلى ساحة صراع بين قيم المجتمع المتضاربة. المعلم الذي كان يوماً “مربياً” أصبح الآن “موظف تعليم”، يحاصر بالأوراق، وتثقل كاهله المهام الإدارية، ويواجه تلاميذًا بعضهم -للأسف- جاؤوا إلى المدرسة وهم يحملون سلوكيات تحتاج إلى تقويم قبل أن تحتاج إلى تعليم.
إن المعلم الذي يقف وحيداً أمام تلميذ مشاغب، وأهل متساهلين، ونظام تعليمي يضع التلميذ في موقع “الزبون” دائماً، يشبه القبطان الذي يحاول إنقاذ سفينة تغرق في محيط هائج، بينما الركاب يتسابقون على حفر ثغرات في جسد السفينة!
كرامة المعلم.. الأساس المتداعي
“كرامة المعلم أولى من كرامة التلميذ”.. عبارة قد تثير حفيظة البعض في هذا العصر الذي أصبحت فيه “حقوق الطفل” شعاراً يرفع أحياناً في غير موضعه. لكن لنتمعن في المعنى العميق لهذه الكلمات.
المعلم الذي يفقد كرامته، وينسحق احترامه أمام التلاميذ، يشبه الشمعة التي تنطفئ قبل أن تنجز مهمتها. كيف نطلب منه أن يقدم علمه وهو مبتور الشخصية، مهزوز المكانة؟ إن احترام المعلم ليس تكريماً لشخصه بقدر ما هو احترام للعلم الذي يمثله، وللمهمة النبيلة التي يحملها على عاتقه.لقد كان أجدادنا يقولون: “من علمني حرفاً صرت له عبداً”. وكانوا يوقرون المعلم تقديراً لدوره في بناء العقول وصياغة الشخصيات. أما اليوم، فترى بعض التلاميذ يتطاولون على معلميهم، وبعض الأهالي يهجمون على المدرسة محملين المعلم كل الخطايا، ووابل الاتهامات.
العقاب.. ذلك المفهوم المغلوط
“من أمن العقاب أساء الأدب”.. ليست دعوة للعنف أو القسوة، بل هي حكمة تربوية عميقة. فالإنسان -خصوصاً في سنوات تكوينه- يحتاج إلى أن يعرف أن للسلوك عواقب، وأن هناك خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها. لقد اختلطت علينا المفاهيم، فظننا أن التربية تعني التدليل الدائم، والتسامح المطلق. ونسينا أن الشجرة تحتاج إلى التقليم كي تثمر، والفرس يحتاج إلى ترويض كي يصير صالحاً للركوب. والأولاد يحتاجون إلى حدود واضحة، وإلى معرفة أن سوء الأدب له ثمن.إننا لا ندعو إلى الضرب أو الإهانة -حاشا لله- ولكننا نطالب بوجود نظام تأديبي حكيم، يراعي نفسية التلميذ، وفي الوقت نفسه يحفظ هيبة المدرسة واحترام المعلم.فالتلميذ الذي يجد من يتغاضى عن خطئه، ويبرر سلوكه، ويحميه من المساءلة، هو تلميذ سيصبح -لا محالة- طالباً متغطرساً، ثم موظفاً متمرداً، ثم رب أسرة فاشلاً. يعني إزالة الحواجز النفسية والأخلاقية التي تحول بين التلميذ وسلوكه غير المقبول. وهو مرض يبدأ صغيراً ثم يتفاقم حتى يصبح انحرافاً في الشخصية، يصعب علاجه لاحقاً.
العلاج.. نحو شراكة حقيقية
لا يكفي أن نلقي باللوم على طرف واحد. فالمشكلة متشابكة، والحل يحتاج إلى تضافر الجهود:
1- الأسرة: عليها أن تستعيد دورها التربوي، فالهاتف يمكن وضعه جانباً، والعمل يمكن تنظيم وقته، ولكن تربية الولد لا تحتمل التأجيل.
2- المدرسة: يجب أن تعيد النظر في أنظمتها التأديبية، وتؤكد على دور المعلم كمربٍ قبل أن يكون ملقناً.
3- الإعلام: عليه أن يقدم نماذج إيجابية عن العلاقة بين المعلم والتلميذ، بدلاً من تعزيز الصور النمطية السلبية.
4- المجتمع: ينبغي أن يعيد للمعلم مكانته الاجتماعية، ويكرمه ليس بالكلام فقط، بل بالدعم المادي والمعنوي.
وصية ونداء :
أيها الآباء، أيها الأمهات: إن أولادكم أمانة في أعناقكم، والمدرسة شريكتكم في التربية، لا خصم لكم. تعاونوا مع المعلمين، وساندوهم، فإنهم يناضلون من أجل مستقبل أبنائكم.
أيها المعلمون: اصبروا واحتسبوا، فما تحملونه من أعباء لا يخفى على أحد. تمسكوا برسالتكم النبيلة، واعلموا أن الأجر على قدر المشقة.
أيها التلاميذ: اعلموا أن المعلمين هم جسركم إلى المستقبل، واحترامهم دين عليكم، وأدب معهم شرف لكم.
إن إصلاح التعليم يبدأ من إصلاح العلاقة بين المعلم والتلميذ، وإعادة الاعتبار لهيبة المدرسة. فلنعمل معاً على بناء جيل يحترم العلم وأهله، يعرف الحقوق والواجبات، ويتحلى بالأخلاق الحميدة.
فكما قال الشاعر أحمد شوقي:
قم للمعلم وفّه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا
أعَلِمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي
يبني وينشئ أنفساً وعقولا
نسأل الله أن يصلح الأحوال، ويوفق الجميع لما فيه خير الأمة ونهضتها.
![]()
