الكاتبه أمل سامح
أن تكوني “مطلّقة” في هذا العالم…
يعني أن تُحاكَم مرتين: مرة حين فشلتِ في البقاء، ومرة حين قررتِ النجاة.
تبدأ الحكاية بصوتٍ خافت في المجالس، ثم تتحوّل إلى نظراتٍ تلتهمكِ كأنكِ ارتكبتِ خطيئة لا تُغتفر.
يُقال عنكِ “انكسرت”، “فشلت”، “لم تصبر”، كأن الصبر واجبٌ على قلبٍ يُهان، وكأنّ السعادة تُشترى بالتحمّل.
يتحوّل اسمكِ من امرأةٍ كانت “زوجة” إلى امرأةٍ يُقال عنها “كانت”.
مجرد “كانت”… كلمة تنزف كطعنةٍ في الذاكرة.
في كلّ خطوةٍ تخطينها، تُرافقكِ الهمسات.
في كلّ ابتسامةٍ تُحاولين انتزاعها، هناك من يذكّركِ بأنّكِ لستِ كالأخريات.
حتى الفرح حين يزوركِ، يتردّد قبل أن يدخل، يخشى أن يُلام على مجيئه إلى قلبٍ “مكسور”.
المجتمع لا يسأل: “لماذا تألمتِ؟”
بل يسأل: “من أخطأ؟”
ولا ينتظر الجواب، لأنّهم حكموا سلفًا بأنّ الخطأ فيكِ.
كأنّكِ وحدكِ مَن تهدم البيوت، ووحدكِ مَن تُغلق الأبواب، ووحدكِ مَن تختار أن تخلع الأمان بحثًا عن كرامة.
يا لغرابة هذا العالم…
يُقدّس الرجل حين يبدأ من جديد، ويُحاكم المرأة حين تفعل الشيء ذاته.
يُقال: “هو تزوّج ثانية ليستأنف الحياة.”
ويُقال عنها: “لم تتعلّم الدرس بعد.”
كم من مطلقةٍ تُخفي دموعها خلف ابتسامةٍ مصطنعة حتى لا يُقال إنها نادمة؟
وكم من قلبٍ يتكسّر كل ليلةٍ على وسادةٍ تعرف أكثر من كلّ البشر ما معنى أن تكوني وحيدة في وجه قسوةٍ مزدوجة: قسوة الواقع، وقسوة الأحكام؟
لكن رغم ذلك…
هناك في داخل كلّ مطلقة امرأة أخرى تولد.
امرأة لا تخاف من الضوء، تعرف أن الألم لا يُميت، بل يُعيد التشكيل.
تتعلم كيف تحبّ نفسها من جديد، وكيف تبني بيتها من روحها لا من جدرانٍ تتصدّع.
فيا كلّ مطلّقةٍ تمشي بين الناس برأسٍ منخفضٍ من ثِقَل العيون…
ارفعي رأسكِ، فأنتِ لم تُهزمي، بل فقط خرجتِ من معركةٍ ظالمة دون أن تفقدي إنسانيتك.
أنتِ لا تحملين وصمة، بل أثر شجاعةٍ نادرة.
وليعلم الجميع…
أنّ الطلاق ليس موتًا، بل قيامةٌ بعد موت.
إنّه لحظة استيقاظٍ في زمنٍ يفضّل للنائمة أن تبقى في سباتها.
هي ليست نهاية القصة، بل بدايتها الحقيقية.
فحين تنهار الجدران، تتكشف السماء، وتبدأ الحكاية من قلبٍ تحرّر من قيده.
![]()
