...
Img 20251012 wa0028

كتب: أحمد فارس 

 

 

يُعتبر مسلسل Dark من أهم الأعمال التي أنتجتها منصة نتفليكس، وصُنف عالميًا كأحد أعمق المسلسلات في التاريخ.

وبما أنه يُعدّ العمل الألماني الأبرز على الساحة، قررت مشاهدته – خاصة أنني دارس للغة الألمانية – على أمل أن أتعرف أكثر إلى الثقافة والفكر الألماني المعاصر.

لكن ما إن تقدّمت في الأحداث حتى وجدت نفسي غير قادر على الاستمرار، فقد توقفت عند الحلقة الثالثة من الموسم الثاني بعدما لم أعد أحتمل الكمّ الكبير من المغالطات الدينية التي يتضمنها العمل.

 

الكثيرون حذّروني قبل المشاهدة من وجود مشاهد غير لائقة، لكن الحقيقة أن هذا لم يكن أكثر ما أزعجني؛ فخطر المسلسل لا يكمن في مشاهده الجريئة، بل في أفكاره الخفية التي تمرّر رسائل تشكّك في الإيمان والقدر والخلق.

والمقلق في الأمر أن هذا العمل يُشاهد من قِبل ملايين الشباب في الوطن العربي، وخصوصًا شباب المسلمين، دون وعي بما يقدّمه من أفكار تصطدم بالعقيدة والهوية.

لكن ما أثار دهشتي فعلًا، هو طريقة تناول المسلسل للدين والإيمان.

فلماذا اختار صُنّاع Dark أن يكون “القسيس” هو مصدر الشر في الأحداث؟

ولماذا نسمع على لسان إحدى الشخصيات جملة صادمة تقول: “لا تتبع آدم، فالفردوس التي يعدك بها غير موجودة”؟

 

 

Img 20251012 wa0029

بل ونرى القسيس نفسه عاجزًا أمام أسئلة طفل صغير يميل إلى الإلحاد، وكأن المسلسل يريد أن يرسّخ فكرة أن الإيمان مجرد ضعف، وأن العلم هو الإله الجديد.

 

ثم إذا انتقلنا إلى مشاهد المستقبل، وتحديدًا عام 2052، نجد جماعة ملثمين بعد نهاية العالم، لا يمكن تجاهل الإيحاء بأنهم يُشيرون إلى المسلمين.

وما يزيد الأمر غرابة أن العديد من الشخصيات “الشريرة” في المسلسل تحمل أسماء أنبياء مثل “آدم” و“نوح”، في تحريف واضح للرموز الدينية وتحويلها إلى أدوات صراع ودمار.

 

أنا شخصيًا لا أرفض اختلاف الثقافات، بل أقدّره، لكن حين يتجاوز العمل الفني حدّ الاختلاف إلى العبث بالمقدسات، يجب أن نقف وننبه.

الغريب أن كثيرين بعدما يشاهدون المسلسل لا يحذرون غيرهم من تلك الرسائل، بل يوصون بمشاهدته!

وكأننا نُسهم بأيدينا في نشر السموم التي تُقدَّم لنا في صورة فن راقٍ.

 

في النهاية، لا أحد ينكر أن Dark عمل متقن من حيث الصورة والإخراج والتمثيل، لكنه في الوقت ذاته يقدّم جرعة فكرية خطيرة، تُعيد تشكيل مفاهيم الخير والشر، وتعبث في أذهان المشاهدين باسم الفلسفة والخيال العلمي.

الفن لا يجب أن يكون وسيلة لنشر الشك، ولا منصة لتزييف الرموز الدينية وإفراغها من معناها.

فإذا كان المبدعون اليوم قادرين على أن يُخفوا أفكارهم داخل حبكات معقدة، فعلينا نحن أيضًا أن نمتلك الوعي الكافي لقراءة ما بين السطور.

 

ربما كان Dark مجرد مسلسل عند البعض، لكنه عندي كان تجربة تطرح سؤالًا أخطر:

هل أصبحنا نُدخل السموم إلى عقولنا ونحن نصفق للإبداع؟

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *