...

لوحة لا تكتمل

أكتوبر 13, 2025
Img 20251012 wa0040

 

الكاتبه أمل سامح

 

كانت رائحة الألوان تعبق في الغرفة، والضوء الخافت يتسلّل من نافذةٍ نصف مغلقة، كأنّ الشمس تخشى أن ترى ما يحدث هناك.

وقفت “ليان” أمام اللوحة، تتأمل ملامحه المرسومة، الرجل الذي غاب منذ ثلاث سنوات، وترك في صدرها فراغًا لا يُملأ.

 

كانت أصابعها ترتجف كلّما لامست الفرشاة. لم تكن ترسمه من خيالها، بل من ذاكرةٍ أبت أن تموت.

خطوط وجهه، عينيه، ابتسامته… كلّها كانت واضحة في ذهنها كما لو أنّه يقف أمامها الآن، يراقبها بصمته المعهود.

 

همست وهي تمرّر اللون على القماش:

“عدتُ لأراك… حتى ولو لونًا.”

 

لكن شيئًا في اللوحة بدأ يتغيّر.

العينان المرسومتان لم تعودا ساكنتين.

كانتا تتابعانها.

 

تراجعت بخوف، حدّقت في اللوحة، ظنّت أنّها تتوهّم، لكنّ لمسةً دافئة على كتفها جعلت أنفاسها تتجمّد.

التفتت ببطء… لا أحد.

ومع ذلك، أحسّت بأنفاسٍ خلفها، قريبة، حقيقية.

 

مدّت يدها إلى اللوحة مجددًا، فلامست أطراف أصابعه الخارجة من اللون الرمادي.

كانت ساخنة!

شهقت، لكنّها لم تتراجع.

بل اقتربت أكثر، حتى صارت وجهاً لوجهٍ معه… في نصف وجودٍ بين الحياة والعدم.

 

قالت له بصوتٍ مرتعش:

– “لماذا عدت؟”

فابتسم، تلك الابتسامة التي لطالما أحبّتها، وقال بصوتٍ أجوف كأنه يخرج من عمق اللوحة:

– “لأنكِ لم تتركي لي مفرًّا… أنتِ التي حبستِني هنا، كلّما رسمتِ ملامحي من وجعك، أعَدْتِني إلى الحياة.”

 

دموعها انحدرت، امتزجت بالطلاء على أطراف أصابعها.

قالت باختناق:

– “كنتُ أريد أن أراك، لا أن أعيش عالقًا بين ظلك وبين موتي.”

اقترب منها أكثر، مرّر يده على وجهها، لم تكن تعرف هل تلمسه حقًا أم تتخيله.

قال بهمسٍ يشبه العتاب:

– “لو توقفتِ عن الرسم، سأرتاح… لكنكِ لن تعودي أنتِ.”

 

صمتت. شعرت بشيءٍ في صدرها ينكسر، كأنها فقدت القدرة على التمييز بين الحقيقة والجنون.

ثم ابتسمت بحزن، ورفعت الفرشاة من جديد.

قالت له:

– “ابقَ… إن كنتَ وجعي، فليكن وجعي حيًّا.”

 

وفي اللحظة التي لمست فيها اللوحة، انطفأ الضوء في الغرفة، وساد السكون.

حين دخلوا عليها صباحًا، كانت الفرشاة لا تزال في يدها، واللوحة أمامها، مكتملة هذه المرّة…

لكن الغريب أنّ وجهها كان غائبًا عنها، بينما ملامحها كانت مرسومة إلى جواره، داخل اللوحة ذاتها.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *