...
Img 20251016 wa0090

 

الكاتبة أمل سامح

 

كانت تقف أمام المرآة، لا لتتجمّل، بل لتتعرّف على ملامحها التي نسيتها خلف وجعٍ طويل.

لم تكن المرأة التي تراها اليوم تشبه تلك التي ودّعت نفسها ذات ليلة، حين انكسر كل شيء في قلبها بصمتٍ مؤلم.

تلمس خدّها كما لو أنها تتحسّس جرحًا قديمًا شُفي،

ثم تبتسم… ابتسامة لم تولد من الفرح، بل من النضج، من الإدراك القاسي أن لا أحد يبقى سوى نفسك.

 

خرجت من باب الماضي بخطوةٍ بطيئة، لكنها ثابتة.

تسير كمن يعرف أن طريق العودة مؤلم، لكنه الطريق الوحيد نحو النجاة.

كانت كل لحظةٍ تمرّ بها تُعيدها للحياة ببطء…

كأنها تتنفس من جديد، بعد غرقٍ طويل.

 

حين رآها البعض، تمتموا بفضولٍ وسخريةٍ مكتومة:

“عادَت… لكنها مطلّقة.”

ابتسمت، لم تُنكر، ولم تتبرّأ من الكلمة.

بل حملتها كوسامٍ على صدرها،

كأنها تقول للعالم:

“نعم، عدتُ مطلّقة… لكني عدتُ أنثى تعرف قيمتها، وتعرف حدودها، وتعرف تمامًا كيف تُولَد من وجعها.”

 

هي لم تعد كما كانت، تلك التي كانت تبكي بصمتٍ خلف الأبواب المغلقة،

ولا تلك التي كانت تتنازل لتُرضي الجميع.

اليوم… تنظر في العيون بثباتٍ،

تختار كلمتها، تختار صمتها، وتختار من يستحق أن يقترب منها.

 

تجلس في مقهاها المفضل، فنجان القهوة بين يديها، بخارها يلامس وجهها كأنّه يذكّرها أن الحياة ما زالت ساخنة بما يكفي لتُعاش.

في عينيها رماد، لكن في ابتسامتها نار…

تُدرك أن الجرح لم يختفِ، لكنه صار جزءًا منها،

جزءًا يمنحها صلابتها، وأناقتها، وهدوءها المخيف.

 

الذين أوجعوها لن يفهموا أبدًا أن الألم لم يُدمّرها،

بل صاغها من جديد… على مهل، وبقسوةٍ جميلة.

صارت تعرف أن لا حب يستحق أن تذوب فيه،

ولا رجل يستحق أن تفقد ذاتها لأجله.

 

الليالي التي بكت فيها وحدها كانت تدريبًا على النهوض،

والخذلان الذي أحرقها صار وقودًا لحريّتها.

الآن، حين تسير بين الناس، لا تراها امرأة مهزومة،

بل أنثى خرجت من الرماد بثوبٍ من الكبرياء،

وفي صوتها سكونٌ يشبه الصلوات التي لم تُستجب، لكنها منحتها سلامًا أعمق.

 

*ماذا لو عادت مطلّقة؟*

ستعود امرأةً تعرف تمامًا ماذا تريد،

تعرف كيف تبتسم وهي تُخفي تحتها حربًا انتصرت فيها.

ستعود أكثر جاذبية، أكثر غموضًا، وأكثر صدقًا مع نفسها.

عادت لا لتنتقم، بل لتُثبت أن النهاية ليست هزيمة…

بل بداية فصيلة جديدة من القوة، تُولد من رحم الخسارة.

 

لقد عادت…

لكنها ليست كما كانت،

إنها النسخة التي كان عليها أن تكون دائمًا،

لولا أن الحياة جرّبت كسرها أولًا.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *