سارة أسامة النجار
نقطة حبر على ورقة مرتجفة، خربشة خجولة، لكنها كانت كافية لحسم القضية. أوقفت الطوفان عن اجتياح حياة مدينة كاملة. بعد أكثر من عامين من النزيف، جاء مخاض الهدنة، ونبتت نطفة وقف إطلاق النار، كأن الحياة نجَت أخيرًا، وكأن الحرب لفظت أنفاسها الأخيرة.
ليلة الترقب كانت طويلة، مثقلة بالغارات، مشبعة بالخوف، يتلو فيها الدمار دمارًا. كنا ننتظر بين يدي الأخبار المتلاحقة، نعد الثواني، نراقب عقارب الساعة وهي تصطف شامخة عند الثانية عشرة ظهرًا. وفجأة، تعالت التكبيرات، التهليلات، وصفير الفرح، كأن غمامة السلام أخيرًا ظللت غزة.
بعد سنتين، سيُحقن الدماء.
بعد سنتين، سننام دون هدير الطائرات الحربية.
بعد سنتين، سنغلق قنوات الأخبار لنشاهد الحلقة الثانية من الحياة.
بعد سنتين، سنتنفس الصعداء، ونكمل من حيث توقفنا.
لكن بعد نصف ساعة فقط، خفت صوت البهجة، وبدأت الأوجاع تتكشف.
كثيرون لن يعودوا إلى مناطقهم.
كثيرون اكتشفوا أن بيوتهم، أو ما تبقى منها، قد هُدمت.
وآخرون وصلهم نبأ استشهاد أحبّتهم.
غصّة القلب لا توصف.
نحن بين موت الموت وحياة الحياة، بين تجاعيد الذكريات وكوابيس المستقبل، بين الحنين والشوق، بين الخطط والمخاوف.
لن نمحو الآلام، لكننا سنزرع ياسمينة أمل، تفوح برائحة دماء الشهداء، وتزهر تكريمًا لمدينة الصبر، ولصبر أهلها.
ويبقى السؤال معلقًا في الهواء:
هل ماتت الحرب حقًا؟
![]()
