...
Img 20251012 wa0027

 

الكاتبه أمل سامح

 

لم يكن صالح الجعفراوي مجرّد صحفيٍّ ينقل الأخبار…

كان وجهًا مضيئًا في عتمة العالم، وصوتًا يروي الحقيقة من بين الركام.

كان حين يطلّ على الشاشة، يسبق صوته الخبر، وتسبق ابتسامته الألم.

ذلك النور الذي كان يخرج من عينيه، لم يكن مجرّد إشراقٍ عابر، بل كان وعدًا بالحياة في وسط الموت.

 

رحل صالح…

وكأنّ الكاميرات انكسرت معه، وكأنّ الميكروفونات ابتلعت أصواتها خجلًا من الصمت الذي تركه خلفه.

كان يحمل في نبرته دفء الوطن، وفي ضحكته جرحًا مغطّى بالرجاء، كمن يحاول أن يقنعنا أن فلسطين بخير، وهو يعلم أنّها تنزف أمامه كلّ يوم.

 

كم مرة نقل لنا صور الشهداء…

وها هو اليوم يصبح خبرًا بينهم، عنوانًا يتلوه زملاؤه بقلوبٍ مرتجفة.

كم مرة وقف أمام العدسات وهو يواسي الآخرين، ولم ندرِ أنّه كان يُخفي خلف ابتسامته خوفه من أن يكون التالي.

كان يضحك… لا ليُسعدنا فقط، بل ليحجب عنّا وجعه، وليعلّمنا أن الأمل لا يموت حتى في أكثر اللحظات وجعًا.

 

رحل صالح، تاركًا خلفه فراغًا لا يُملأ، وذاكرةً من الصور التي لا تُنسى.

ذلك الوجه الذي كان يطلّ من بين الدخان بابتسامته، صار الآن صورةً مؤطّرة بالأسى، معلّقةً في قلوب من أحبّوه.

رحل، وكأنّه أخذ معه النور من الشاشات، وتركنا نحدّق في ظلاله التي ما زالت تبتسم من بعيد.

 

يا الله…

كم مؤلمٌ أن يرحل من كان يهب الحياة صوتًا!

كم موجعٌ أن يُصبح ناقل الحقيقة هو نفسه خبرًا مؤلمًا تتناقله الشاشات!

صالح لم يمت وحده… بل مات معه شيءٌ من فلسطين، شيءٌ من الحقيقة، شيءٌ من الضحك الذي كان يداوي الجراح.

 

سلامٌ لوجهك الذي لم تفارقه البشاشة،

سلامٌ لضحكتك التي قاومت الموت حتى آخر لحظة،

وسلامٌ لتلك الروح التي علّمتنا أن تكون الكلمة سلاحًا، وأن يكون الصحفي شهيدًا مرتين… مرة حين يكتب، ومرة حين يُستشهد.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *