بقلم / فتحى عبدالحميد.
ليس أخطر على العقول من وهم المعرفة. ذلك الوهم الذي يتسلل الى الانسان حين يظن انه أصبح عالماً لانه قرأ منشورا. او شاهد مقطعاً. او تابع مسلسلاً تاريخياً. او استمع الى برنامج حواري يغلف الجهل بثوب العلم. عندها يتولد ما يمكن أن نسميه فقه الجهلاء وثقافة الاغبياء.
وهي ظاهرة فكرية واجتماعية تنفجر اليوم في وجوه المجتمعات. فتفسد الحوار. وتشوه الوعي. وتدفع العامة الى اعتناق افكار مضللة يظنونها يقينا قاطعا.
ان فقه الجهلاء ليس مجرد غياب للعلم. بل هو استبدال للجهل بثقة زائفة. هو أن يصدر الانسان أحكاماً ويخوض في قضايا علمية او دينية أو تاريخية دون منهج او دليل. بل اعتمادا على استنتاجات سطحية أو مصادر مغلوطة.
فبدلا من السؤال والتدقيق يميل هؤلاء الى تبني أي معلومة تشبه ميولهم او تريح ضمائرهم ولو كانت باطلة. وهنا يتوقف العقل عن التفكير. ويبدأ الجهل في الدعوة والمجادلة. حتى ليصبح صاحبه اشبه بمحام عن الباطل يظنه حقا.
ولعل اخطر ما يغذي هذه الحالة هو ثقافة الاستهلاك السريع للمعلومات. تلك التي لا تحتاج منك الا دقيقة او دقيقتين لتصبح خبيرا في الطب او السياسة او القانون أو التاريخ او الدين. يكفي ان تتابع مسلسلاً تاريخياً ليخيل اليك انك فهمت الدولة الاموية والعباسية والفاطمية أو حتى العثمانية . يكفي ان ترى فيلماً وثائقياً غير معتمد ليصبح لديك رأي حاسم في نشأة الكون. يكفي ان تصغي لمذيع تليفزيونى او مؤثر على السوشال ميديا لتمتلك قناعة انها الحقيقة النهائية.
يضاف الى ذلك ما تصنعه برامج التلفاز الحوارية حين تروج للجدل السطحي والصوت العالي بدل الحوار العلمي المنهجي. وما تصنعه الصحافة حين تقدم المعلومة بوجه يخدم توجه الممول او أجندة الجريدة. ثم يتعامل الجمهور مع هذا كله باعتباره علما مؤكداً لا يرقى اليه الشك.
وقد جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتفتح الباب لكل من شاء ان يصبح مفكراً او محللا او باحثاً في ليلة وضحاها.
يكفي هاتف وانترنت وكاميرا ليخرج علينا شخص يقدم معلومات خاطئة بثقة كاملة. ثم يجد جمهورا يصفق ويصدق ويساعد على نشر الوهم. وهكذا تنتشر الشائعة اسرع من الحقيقة. ويترسخ المغلوط اقوى من الصحيح.
لكن الكارثة لم تتوقف عند هذا الحد. بل تسلل فقه الجهلاء الى الادب نفسه. حين صار بعض المريدين يطلبون لقب الاديب قبل ان يعبروا ابسط الاسس الصحيحة للكتابة. فصارت الساحة مليئة بما يسمى كتبا وهي في الحقيقة منشورات مطولة. لا بناء. ولا لغة. ولا رؤية. ولا تجربة انسانية.
ومع ذلك تنتشر لان بعض دور النشر لم تعد ترى الأدب رسالة. بل صفقة. وسبوبة. وطالما هناك من يدفع نفقات الطبع ستحمل إسمه على غلاف كتاب. ولو كان النص عاريا من القيمة والمعنى.
لقد صارت بعض دور النشر مصانع لانتاج الاغبياء فكريا. وفقهاء الجهل ادبيا.
تقنن اوضاعهم بجفاء للحقيقة. وتمنحهم لقب اديب او صاحب مؤلف. لا لشيء الا لانهم قادرون على الدفع.
وهكذا يتحول الادب من فن راق الى واجهة مزيفة لاصحاب الشهرة الزائفة. وتضيع الحقيقة بين ركام من الكلمات التي لم تعرف طريق الجملة السليمة ولا الفكرة العميقة.
ان فقه الجهلاء لا يكتفي بان يضل صاحبه. بل يصنع منه مدافعا عن جهله ومهاجما لاي علم يخالف ما يظنه. لا يقرأ. وان قرأ لا يفهم. وان فهم لا يتواضع. ومع ذلك يصر على ان يعلن رأيه. ويرفع صوته. ويدعي انه على الحق المبين. ذلك ان الجهل اذا تغذى بالغرور تحول الى مرض فكري لا يداويه الا الانكسار امام الحقيقة.
والسؤال الاكبر هنا. كيف نواجه كل ذلك ؟
والإجابة المعهودة نواجهه بالوعي لا بالمنع. بالتعليم النقدي لا بالتلقين. باعادة بناء مفهوم الثقافة على اساس البحث والتوثيق والتحقيق. لا على اساس الانطباع والاحساس والمعلومة المقتطعة. لابد من اعادة الهيبة للعلم والمنهج. واعادة الاحترام للمصادر الرصينة. وتعليم الناس ان المعرفة ليست رأيا. وان الحقيقة لا تبنى من مقطع فيديو. وان من يقرأ كتابا واحدا لا يحق له ان يناقش تاريخ امة.
ان فقه الجهلاء وثقافة الاغبياء لا يهزمان بالصراخ. بل بالمنهج. لا ينهاران بالتعالي على الجهال. بل بتبسيط العلم الصحيح. لان اخطر نتيجة لهذا الانحراف الفكري ليست فقط الجهل. بل انتاج جيل كامل يظن نفسه عالما من غير علم. ومبدعا من غير اساس. وصاحب رأي من غير دليل.
ذلك الجيل اذا لم يصحح وعيه سيكبر على ثقافة المؤامرة وسوء الظن بكل شيء. وسيستبدل الحوار العقلي بالهجوم الشخصي. فتصبح الساحة العقلية غابة من الصرخات لا من الأفكار. ويصبح الجاهل فيها جلادا يطعن كل معرفة لا توافق هواه.
ولذلك فان معركة المعرفة اليوم ليست معركة كتب فقط. بل معركة وعي ومنهج وأدوات. ليست معركة معلومات. بل معركة طريقة تلقي المعلومات. ولا نصر فيها الا لمن يملك الشجاعة ان يقول : لا اعلم…
ومن قال لا أعلم فقد علم وتواضع .
![]()
