الكاتبه عفراء فيصل
كانت ليلى تحبُّ الصباح أكثر من أي شيء آخر، فكل يوم تفتح نافذتها قبل أن يستيقظ العالم، وتترك للهواء مهمة ترتيب فوضى قلبها، لكن ذلك الصباح لم يكن كسابقاته… كان ساكنًا حدّ الوجع.
كان في يدها ظرفٌ قديم، عليه اسم عمر بخطٍّ مرتعش. احتفظت به ثلاث سنوات، لم تجرؤ على إرساله، ولم تستطع تمزيقه. كانت تعرف أن الكلمات التي لم تُقل، أثقل من الكلمات المؤذية أحيانًا.
في تلك الليلة البعيدة التي افترقا فيها، قالت له ببرودٍ غريب:
“ممكن نمشي كل واحد بطريق.”
لكنها كانت تريد أن تصرخ:
“ابقَ… خليك معاي!”
ترددت طويلًا، ثم جمعت شجاعتها وخرجت نحو صندوق البريد. كانت خطواتها بطيئة، كأن كل خطوة تفتح جرحًا قديمًا، وحين وضعت الرسالة داخل الصندوق… شعرت كأن قلبها سقط معه.
أغمضت عينيها، تنفست بعمق، وابتسمت للمرة الأولى منذ زمن.
في المساء، بينما المطر يحتضن وجه المدينة، عاد عامل البريد ليجمع الرسائل، فوجد الظرف وقد زُلق خارج الصندوق، مبتلًا، الحروف عليه تلاشت، والورقة في داخله التصق حبرها ببعضه حتى أصبح الكلام غير قابل للقراءة.
حتى الكلمات التي تحررت… ضاعت.
وقفت ليلى عند النافذة، لا تعلم أن رسالتها لم تصل ولن تصل، لكنها شعرت بخفةٍ غريبة؛ ربما لأن بعض الرسائل كُتبت فقط لنشفى نحن، لا ليقرأها الآخرون.
![]()
