الكاتب إسماعيل أبوزيد
في شرفة منزله بالدور الأول، المطلة على الشارع الضيق الذى يحفظ خطى المارة مثل ذاكرة عجوز، جلس حسن المثقل بالهموم، يمنح نفسه لحظة سلام قصيرة، أمامه كوب شاي العصاري بالنعناع الذي أعدّته له زوجته أم أحمد. يتصاعد منه بخار خفيف يشبه تنهيدة دافئة خرجت من صدر متعب.
كانت خطواتها تتردد من الصالة إلى الغرفة الصغيرة، ثم إلى الشرفة، تناديه في طريقها مرة بعد مرة، لكنه لا يجيب… فحسن كان قد غاب قليلًا في ظلال الأحلام التي تمر فوق جبهته كما تمر الغيوم فوق الماء.
وهو يغمغم بكلمات مبهمة، صوت مكتوم لا يكاد يسمعه أحد، فكان يحاور نفسه في عالم آخر. ابتلعته أفكاره حتى أفزعه صوتها:
“يا حسن… بكلمك!”
رفع رأسه كمن خرج من غفوة طويلة، وقال متلعثمًا:
“هاااه؟”
رمقته من طرف عينها ثم بدأت تثرثر بما يثقل البيت فوق كتفيه؛ ملابس المدارس، مستلزمات العيال، قسط الجمعية، قسط التكييف… قبل أن يزيد الطين بلّة جاءه اتصال من صديقه يذكّره بمالٍ استدانة منه قبل شهر، وحان ميعاد سداده.
شعر حسن بغصّة دامعة كادت تمزق حلقه، وظل يحدق في زوجته ولا ينطق. وفي رأسه المكدود تهوم الالتزامات كجيوش من النمل الزاحف، تتكاثر وتتكالب وتستنزف ما تبقى فيه من صبر.
نفض رأسه عن كل هذا الانكسار، وصمت هنيهة، واستعاد رباطة جأشه، ثم قال لها بصوت هادئ يجرّ معه كل ما تبقى من قوة:
“ما تقلقيش… ربنا يفرجها. زي كل مرة.”
ترك الشرفة، وخطا خطوات متعبة إلى فراشه لعلّه يجد راحة، لكن الجسد وحده الذي يستسلم…أما عقل الرجل لا ينام.
ظل يحاور نفسه همساً، ويردد تلك الكلمات فهي آخر ما يحميه من الانهيار:
“أهمس للدنيا وللأشياء وللأرض وللبشر: رفقًا بي… وبدوري سأرفق بكم.
لا مزيد من الخيبات ولا صراعات.
فلنَعِش في سلام أطول وقت ممكن، ولنؤجِّل الصراع إلى حين آخر… وإلى أجل غير معلوم.”
![]()
