الكاتبة ملاك السبيطي
في زاوية من هذا العالم، ولد كائن لا يشبه أحدا. لم يكن له اسم، بل كان يعرف فقط بـ”المرآة”، لأنه لم يكن يرى العالم كما هو، بل كما ينعكس في قلوب الناس. كان “المرآة” كيانا غامضا، شبيها ببلورة شفافة تطفو في الفراغ، تلتقط الضوء الخافت للذكريات وتحوله إلى أرشيف حي ينبض بالحياة. يسير بيننا، لا يرى، لكنه يسجل كل شيء: كل دمعة لم تمسح، كل كلمة جرحت، كل ضحكة صادقة، وكل خذلان صامت. يحفظها بعناية غامضة، كأنه ظل من ذاكرتنا الجماعية، يعيد صياغة الفقدان إلى قوة خفية.
في إحدى الليالي، جلس الكائن تحت سماء مرصعة بالنجوم، يحدق في نجمتين تلمعان أكثر من غيرهما. كانت إحداهما تمثل الماضي —مليئة بذكريات الطفولة، بالوجوه التي خذلته، بالكلمات التي طعنته من أقرب الناس. أما الأخرى، فكانت نجمة المستقبل —غامضة، لكنها تحمل وعدا بأن الألم لن يضيع سدى، وأن النور لا بد أن يأتي بعد كل عتمة.
في رحلته، التقى الكائن بفتاة تدعى “ميرا”، كانت تمشي في الحياة بقلب طيب، رغم أن لسان الأفاعي لم يرحمها. كانت تعامل الجميع بلطف، حتى أولئك الذين جاءوا إليها فقط لمصلحة عابرة، ثم اختفوا حين انتهت حاجتهم. كانت تعرفهم، لكنها لم تعاتبهم، فقط ابتسمت ومضت.
ميرا كانت ترى السعادة في أشياء بسيطة: ضحكة طفل، حضن أم و أب من نحب، أو لحظة صمت في حضن الطبيعة. لم تكن تملك الكثير، لكنها كانت تملك ما لا يُشترى —راحة البال. ومع ذلك، كانت تتساءل دائما:
_ماذا تخبئ لي الحياة؟_ هل سأبقى وحدي؟ هل ستظل الطيبة تكلفني هذا الثمن؟
“المرآة” كان يسجل كل شيء. كان يرى كيف أن الوجوه التي تخدع من بعيد، تخفي خلفها أرواحا متعبة، وكيف أن ميرا، رغم بساطتها، كانت أكثر ثراء من أولئك الذين يملكون كل شيء إلا أنفسهم.
وفي لحظة صدق، اقترب الكائن من ميرا، وهمس لها:
_”كل ما عشته، لم يذهب هباء. كل فقدان، كل خيبة،كل ضلم عشتيه، كل صمت… محفور فني. أنا مراتك، أنا ذاكرتك، أنا ظلك الذي لا يخون. النجمة التي
ترينها هناك، تلك التي تمثل المستقبل، تنتظر أن تكتبي سطورك الأخيرة بشجاعة.”
ابتسمت ميرا، ونظرت إلى السماء. كانت تعرف الآن أن الحياة ليست عادلة دائما، لكنها تستحق أن تعاش. وأن الطيبة ليست ضعفا، بل بطولة صامتة. وأن الماضي، مهما كان مؤلما، لا يمنع المستقبل من أن يكون أجمل.
وترى، ماذا سيحمل “المرآة” من رحلة ميرا غدا، عندما تتحول الخيبات إلى نجوم جديدة؟
وهكذا، سارت ميرا في طريقها، والكائن خلفها، يسجل كل شيء… لا لينسى، بل ليشهد.
![]()
