...
IMG 20251217 WA0082

 

الكاتب إسماعيل أبوزيد

 

يصلي حسن صلاة العصر، ثم يتوجه إلى مكانه المعتاد: شرفة الغرفة بالدور الأول، المطلة على الشارع الضيق. يجلس هناك، ينتظر كوب الشاي المعتاد بالنعناع من أم أحمد، زوجته.

لكن الشارع اليوم يبدو مختلفًا، متغيرًا، ويستعد لطقوس تحمل بهجة وإزعاجًا معًا.

فجأة يسمع أصوات سماعات ضخمة تُجرب: “تيست… تيست…” تتبعها تلاوة قرآن كريم، ثم رقص وغناء مستمر بصوت مرتفع، يهز الشارع بأسره، ويُسمَع على بعد كيلومتر، ليعلن للجميع أن محلًا جديدًا قد افتُتِحَ اليوم. هذه طقوس معتادة في بلادهم، صاخبة، لا تعرف الهدوء.

تدخل أم أحمد بالشاي الساخن، ويعقبها أحمد، ابنهم، بحماس:

– يا أبي، أريد أن أحكي لكم شيئًا عن هذا الإزعاج والصوت المرتفع لسماعات افتتاح المحل الجديد.

يبتسم حسن:

– نعم يا أحمد، احكِ لنا قصتك.

يتنفس أحمد ويبدأ:

– لقد قرأت في رواية تُدعى “بلاد الأحلام” أن هذا السلوك هناك غير مسموح به عند افتتاح المحلات. يكفي بلاغ صغير من أي ساكن أو مواطن، ليأتي بعد دقائق قليلة، موظف من البلدية لتحرير مخالفة مالية وإيقاف الصوت المزعج فورًا. وإذا لم يلتزم صاحب المحل، تأتي الشرطة على الفور لتطبيق القانون.

تسأله أمه بدهشة:

– وماذا يفعلون هناك عند افتتاح محل جديد؟

يبتسم أحمد:

– إذا أراد صاحب المحل الاحتفال بالأضواء والبالونات المنتفخة، يجب أن يحصل على تصريح رسمي لمدة ساعة أو ساعتين فقط، من تطبيق أو موقع البلدية الإلكتروني، والموافقة تأتي بسرعة وسهولة.

يضيف أبيه:

– هذا احترام للإنسانية، لسكان الأحياء، وتقليل الفوضى والتلوث السمعي.

ويواصل أحمد:

– وأيضًا هناك عقوبة مالية كبيرة لمن يستخدم سماعات أو كاسيت بصوت مرتفع يزعج الآخرين.

تبتسم أم أحمد:

– كم هذا جميل! احترام خصوصية الإنسان والمحافظة عليها.

يبتسم حسن:

– قصة جميلة يا أحمد… ربنا يوعدنا ونرى هذا في شارعنا، ويصبح شارع الأحلام.

يضحك الجميع، ثم ينهض أحمد:

– حان وقت اللعب… الوداع يا أبي و يا أمي العزيزين.

ينظر حسن لابنه، ويهمس:

– اذهب يا ولدي، في رعاية الله.

وهكذا، في مشهد واحد، علّم أحمد والديه معنى الإنسانية، في بلاد الأحلام التي يتمنى حسن أن يعيشها في شارعه الضيق.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *