...
IMG 20260113 WA0117

 

الكاتبة عاليا عجيزة

 

يقولون إنَّ “ملاذ الضياء” لا يظهرُ إلا لمن ضلَّ طريقه في الغابة الكبيرة وهو يبحث عن إجابةٍ لسؤالٍ لم يجرؤ يومًا على نُطقه. لم أكن أؤمن بالأساطير، حتى انقشع الضبابُ فجأةً تحت قدمي، وكأنَّ الغابة قررت أن تكشف لي عن سرٍّ دفنتهُ لقرون. وجدتُ نفسي أمام ممرٍّ مسحور، لم تكن حجارتهُ صمّاء، بل كانت تنبضُ تحت خطواتي كأنها جمرٌ بارد.

كانت المصابيح الأرضية المتناثرة على العشب المخملي تبدو وكأنها أجرامٌ سماوية هبطت لتقضي ليلتها على الأرض، ترشدني بنورها الخافت نحو تلك العريشة التي لم تُبنَ بيد بشر، بل نبتت من تربة الغابة كفطرٍ عملاق سُقيَ بماء النجوم. التفت جذوع الأشجار حول الممر بحركاتٍ لولبية مهيبة، وكأنها حراسٌ عمالقة انحنوا ليمهدوا الطريق لغريبٍ أتعبتهُ الدروب.

كلما تقدمتُ خطوة، كان ضجيج العالم الخارجي يخفت، ليحلَّ محلَّه صوتُ طقطقة الضوء في الكرات الزجاجية المعلَّقة. لم يكن هناك أحد، لكن المكان كان يضجُّ بالحضور. المقعد الخشبي الوحيد القابع تحت سقف الطحالب كان ينتظرني بوقار، والفانوس المعلَّق في وسطه يرتجفُ بلهبٍ ذهبي وكأنه نبضُ قلبٍ حيّ.

جلستُ هناك، وشعرتُ بأنَّ الأشجار تمدُّ أغصانها لتطوّق المكان، صانعةً حاجزًا منيعًا ضد وحشة الليل وظلام الغابة الكثيف. في هذا المكان، يبدو أنَّ لكل قنديلٍ حكاية، ولكل حصاةٍ ذكرى لعابرٍ مرَّ من هنا ذات يأس، وترك خلفه حزنًا ثقيلًا ليأخذ بدلًا منه قبضةً من نور.

أغمضتُ عيني، ولأول مرة منذ سنوات، سمعتُ صوت صمتي بوضوحٍ تام. لم يعد السؤال الذي أرهقني طويلًا مهمًّا، ففي “ملاذ الضياء”، تكتشفُ أنَّ الإجابة ليست كلماتٍ تُقال، بل هي تلك السكينة التي تتسلل إلى روحك حين تدرك أنك، ولأول مرة، في المكان الصحيح تمامًا.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *