...
IMG 20260125 WA0326(1)

 

الكاتبه رفيدة فتحي

 

لو كان يعلم أنه سيكون بهذا الحال لأتبع هذا الطريق منذ زمن بعيد..

في عام 2005 كان هناك شاب منغمس في المعاصي والذنوب بجميع أشكالها، يشرب الخمر ويظلم كل من يتعامل معه، ولا يعطي الناس حقوقهم، بعيد كل البعد عن الله، لا يعرف عن ربه سوى القليل.

خالد شاب في الثلاثين من عمره، نشأ في أسرة متدينة قريبة من الله، ولكنه الوحيد من أفراد هذه الأسرة كان بعيد كل البعد عن الله، كان منغمسًا في المعاصي والذنوب بجميع أشكالها، رغم أن أمه وأبيه كانت تربيتهم له على معرفة الله والصلاح، ولكن الهداية من الله كما قال الله: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء).

يشرب الخمر، ويظلم جميع من يعرفهم، لا يفرق معه أحد، ولا يخشى من نظر الناس له، لدرجة أنه كان يشرب الخمر في نهار رمضان ويسرق أمام الناس، جهره بالمعصية شيئًا أساسيًا عنده. يظلم كل من يعمل عنده في شركته الخاصة، ويتفق مع كل من يعمل معه على مبلغ من المال ولكنه في آخر الشهر لا يعطيه شيئًا من راتبه. كل من في المنطقة يخشونه لشدة صلابته وقوته.

أنعم الله عليه بقوة الذكاء والبنيان، ولكنه استغله في كل ما يغضب الله. كان عندما يرى شابًا من عمره يصلي أو يستمع لكلام الله يسخر منه ويدعوه متشددًا، ويحدثه ببعض الكلمات من نوعية: “عيش حياتك أنت متشدد”، رغم كل هذا الكلام الذي كان يقوله لغيره، كانت حياته جحيمًا. عند انتهائه من كل معصية يفعلها يظهر عليه الغم والحزن، لا يفعل شيئًا في حياته سوى ظلمه للناس وارتكابه كبائر الذنوب. لا يطيق جاره الذي من نفس عمره يسكن بجوار منزله، لأنه يعرف الله ويؤدي حقوقه، ينظر له دائمًا على أنه شخص إرهابي ومتشدد، دائمًا يذهب إلى بيته ويفتعل معه المشاكل ويظلمه أشد الظلم. يعلم أنه فقير وليس له أحد في هذه الحياة ولا يستطيع أن يسكن في غير هذا المسكن، يستغل هذه الفرصة يظلمه أشد الظلم ويعامله بطريقة قاسية، حتى أنه يجعله يفعل له كل ما يريده، ولكنه نسي أن الله يرى ظلمه له.

وفي يوم من الأيام كان جاره عائدًا من المسجد بعد صلاة العصر، متوجهًا إلى بيته، فرآه وتشابك معه، وظل يشتمه بأبشع الألفاظ. نسي هذا الشاب أن له قرين يسجل ما يقوله، فسمع جاره يدعو عليه ولا يبالى بهذا الدعاء، نسي أن دعاء المظلوم مستجاب.

وفي أثناء عودته إلى بيته بعد ظلمه الشديد لجاره واعتدائه عليه، لطمته عربة قوية جعلته فاقدًا للوعي ثلاث أيام. وعندما فاق من وعيه وجد نفسه نائمًا في المشفى ويشعر بألم شديد في جسده. كان مذهولًا كيف له أن يأتي إلى هذا المكان، وما الذي حدث له، فقطع الطبيب أفكاره، لينظر له الطبيب بابتسامة قائلًا:

حمدًا لله على سلامتك.

ليجيب الآخر مندهشًا:

أين أنا؟

وما الذي أتى بي إلى هنا؟

فأخبره الطبيب:

لقد كنت مغيبًا عن الوعي لمدة ثلاث أيام، أصابتك سيارة.

تفاجأ بكلام الطبيب وخاف كثيرًا أن يكون حدث له شيء، فطمأنه الطبيب وقال له إنه بخير، ولكن ساقه اليسرى قد حصل فيها كسر وسيظل ملازمًا للفراش لمدة شهر، إلى أن يتعافى.

فسأله الشاب:

ولماذا أشعر بألم شديد في جسدي؟

ليخبره الطبيب أن جسده يؤلمه لشدة لطمة العربة، وأنه بعد تناول الدواء والراحة لأيام سيزول هذا الألم.

شكر خالد الطبيب وعاد إلى بيته مع أحد أفراد العائلة، فقرر أن يعمل بكلام الطبيب ويلزم الفراش إلى أن تتعافى رجله ويتعافى جسده. ولكن المفاجأة أن ألم جسده كان يزداد يومًا بعد يوم، ولا يأتي الدواء معه بنتيجة. وفي يوم من الأيام عندما كان نائمًا استيقظ على شدة ألم جسده وظل يبكي ويصرخ من شدة الألم. فأسرع به أحد أفراد العائلة إلى الطبيب، وبعد فحوصات كثيرة وزيارته لأكثر من طبيب عجزوا عن معرفة سبب ألمه، كل يوم بل كل لحظة في حياته يؤلمه جسده أكثر من اللحظة التي قبلها. أخبره الطبيب أنه لا يوجد حل سوى أن يسافر إلى الخارج، لعله يجد من يعلم بحاله من الأطباء الكبار، وبالفعل صاحبه أخوه إلى أحد الأطباء الكبار خارج بلده، ولكنهم أيضًا عجزوا عن معرفة سبب مرضه.

وأثناء عودته إلى بلدته ازداد عليه المرض والتعب، فنزل به أخوه من العربة إلى مكان ليس فيه أحد من البشر، وجدوا شيخًا كبيرًا يسكن في أحد الكهوف، رفق بحالهم وأضيفهم عنده، وسألهم عن سبب مرضه، وسبب مجيئهم إلى هذا المكان. فأخبره بكل ما حدث معهم، وأن الأطباء عجزوا عن معرفة سبب مرضه. فأخبر الشيخ خالدًا أن لا يستسلم ويحسن الظن بالله وأن يدعو الله، ويقينه أنه سيستجيب له، وقال له إنه بلاء من عند الله، إما أن يكون رفع درجات له عند الله، أو كفارة لأحد الذنوب.

صمت خالد قليلًا وظل يتذكر كل أنواع المظالم التي ارتكبها وما فعله بجاره، وتذكر أيضًا دعوة جاره عليه، وأن سبب لطمه بالعربة يمكن أن يكون بدعاء جاره عليه، فانفجر في البكاء وظل يقول:

خذني عنده.

سأل الشيخ أخاه عن سبب تلفظه بهذا الكلام وسبب بكائه، فقال له:

أظن أنه يتحدث عن ظلمه لأحد الأشخاص.

فصدم الشيخ من كلامه وظل يهديه من روعه، وأخبر خالد الشيخ بكل أفعاله وأعماله الخبيثة، وظلمه لجاره، فأخبره الشيخ أنه إذا تاب ورجع المظالم لأهلها سيتوب الله عليه.

وبالفعل أسرع به أخوه إلى بيت جاره لكي يطلب منه المسامحة، فلم يجده في بيته، فسأل عنه أحد جيرانه فأخبره أنه في المسجد، ذهب إليه مسرعًا همه الوحيد وأمنيته أن يجد جاره، ويطلب منه المسامحة وكل من ظلمهم، وأخذ حقوقهم. وبالفعل وجد خالد جاره في المسجد يرتل بعض آيات القرآن، فما إن وجده خالد حتى انكب عليه يقبله ويتوسل إليه أن يسامحه. تفاجأ جاره عندما رآه كيف لهذا الشاب القوي أن يصل لهذا الحال شاحب الوجه ضعيف البنيان في أيام قليلة. سأله جاره عن ما حل به، وما الذي وصله لهذا الحال، فأخبره بكل ما حدث معه، وأن الأطباء عجزوا عن سبب مرضه بعد فحوصات كثيرة، وأنه يشعر بما حدث له بسبب دعائه عليه وشدة ظلمه له، فطلب منه أن يسامحه، وبالفعل سامحه جاره وساعده على التوبة والرجوع إلى الله، وأن يؤدي حقوق من ظلمهم ويطلب منهم المسامحة.

ظل خالد يجاهد نفسه على إصلاحها، وأداء حقوق الله، وساعده جاره على أخذه معه المسجد في وقت الصلوات ووقت حلقة القرآن.

صحيح أنه كان كثيرًا ما يقع، ولكن كان يعلم أن سلاح المؤمن الدعاء، وأنه بصدق نيته على إصلاح نفسه سيوفقه الله، شعاره دائمًا: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

مرت الأيام والشهور، أصبح خالد شخصًا آخر، كل من يراه يقسم أنه وكأنه لم يتعامل معه من قبل، ورد الله له صحته وكان عبرة لكل الشباب من حوله. بفضله تاب شباب كثيرون، وعندما ييأس شاب من إصلاح نفسه، يخبره خالد بما كان عليه من قبل فيتشجع ويصبر على نفسه إلى أن يحسن علاقته بالله ويتغير.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *