الكاتبه رفيدة فتحي
فتى عمره الثالثة والعشرون ربيعًا يسير في طرقات القرية وبين بيوتها الصغيرة، وهو يلتفت يمينًا ويسارًا يبحث عن ضالته، ولكن أين سيجدها؟ قطع طريقه بعض الصبيان طالبين منه أن يبوح لهم بما فقده، لعلهم يستطيعون مساعدته، ولكنه نظر إليهم في صمت تام وأجفان واسعة، لا يعلم بماذا يجيب. ركض هاربًا من أمامهم كلصٍّ، قبض عليه من قبل رجال الأمن. إلى أن ظهرت أمامه شجرة كبيرة يتدلى منها حبات الكريز، جلس على سطح الأرض وأسند ظهره عليها، وهو يتنهد بقوة وأنفاسه تتقطع تدريجيًا إلى أن هدأ رويدًا رويدًا.
كان يشعر أن شيئًا ما ينقصه، ولكن لا يعلم ملامحه، معنوي تفتقده روحه أم ملموس. وضع رأسه بين يديه من شدة الألم لكثرة الأسئلة التي تناطح عقله. اغرورقت عيناه بالدموع، ظلت عالقة برموشه دون أن تنسكب. ولكنه نهض وقرر أن يذهب إلى هذا المكان الواسع الفسيح متعدد الأدوار. سار نحوه بثبات إلى أن وصله إليه، فوجده لافتة قديمة تكسوها الأتربة مكتوب عليها: “إن أردت معرفة نفسك، ستجدها بين صفحات الكتب وداخل المكتبات”. تأملها قليلًا ثم تابع طريقه إلى الداخل.
صعد السلم الحديدي وسحب كتابًا من الأرفف. وعندما فتحه، كاد أن يعيده مكانه بسبب أوراقه المتهالكة، ولكن وقعت عيناه على هذه الجملة: “أهلًا بك عزيزي القارئ برحلة شيقة لمعرفة نفسك”. توجه إلى طاولة خشبية مستديرة الشكل يلتف حولها ثلاث مقاعد، جلس وأسند ظهره واندمج في القراءة بعدما جذبته هذه الجملة.
لم ينتبه لنفسه إلا بعد أن أدت الشمس مهمتها واحتجبت خلف ظلمة الليل. لأول مرة يشعر بمرور وقته كسرعة الفارس الماهر، ولكنه قد حصل على ضالته عندما تعلم من خلاله أن الروح تمرض كالجسد وشفاؤها القرب من الله. انتبه أن علاقته بربه ضعيفة منذ أن أصبح هدفه الوحيد وشغله الشاغل جمع الأموال والعمل ليل نهار دون أن يكترث للمؤذن وهو يقول: “الله أكبر”. علم حينها أن الله أكبر من كل شيء في هذه الحياة الفانية، فأصبح يلبّي النداء دون تردد إلى أن ارتوت روحه بذكر الله والقرب منه.
![]()
