الكاتبة منة الله محمد
هو يبدو عاديًا تمامًا،
يمضي بخطى ثابتة، يردّ التحية، يبتسم حين يُنتظر
منه أن يبتسم، ويضحك في اللحظة المناسبة.
ولكن حين يعود إلى وحدته، ويخلع عنه قناع
التماسك،
ينظر في المرآة فلا يرى سوى محارب متعب،
لا يحمل سيفًا ولا درعًا، بل يحمل قلبًا مكسورًا وروحًا أرهقها الصمت الطويل.
هناك من يخوضون معارك نفسية لا تُرى،
يستيقظون كل صباح يجرّون خلفهم ثقلًا لا يعرفه أحد،
يقاومون القلق، يقاومون الحزن، يتنفسون بصعوبة دون أن يظهر ذلك على ملامحهم.
يمرون بيننا كأنهم بخير،
لكن داخلهم حرب لا تهدأ.
والمؤلم أن المجتمع كثيرًا ما يعجز عن رؤية تلك الحرب،
بل يزيدها اشتعالًا حين يستخف بالألم النفسي،
وحين يضع “الذهاب إلى طبيب نفسي” في خانة العار، أو يراه ضعفًا في الإيمان أو الشخصية.
كأن النفس لا تُجرح،
وكأن الحزن العميق مجرد ترف، أو دلال زائد.
ما زال البعض يُخفي بكاءه لئلا يُقال عنه “ضعيف”،
وما زال البعض يُعاني بصمت لأنه يخشى أن يُوصم بـ”الجنون”،
بينما الحقيقة أن طلب المساعدة شجاعة،
والاعتراف بالألم قوة،
والمحاربة من أجل الشفاء بطولة حقيقية.
إن الحاجة إلى دعم نفسي ليست نقيصة،
بل هي فطرة إنسانية،
فكلنا نمرض،
وكلنا ننكسر،
وكلنا نحتاج إلى من يُنقذنا من الغرق حين لا نملك القوة للسباحة وحدنا.
ولأنّ الطريق إلى التعافي ليس سهلًا، فإن أولى
خطواته تبدأ من داخلنا:
تحدث، حتى ولو إلى ورقة، أو إلى طبيب، أو إلى من يفهم.
لا تخجل من ألمك، فالمعاناة ليست عيبًا، إنما كتمانها هو ما يُتعبك أكثر.
اهتمّ بجسدك، فالنفس والجسد في توازنٍ
عجيب؛ نم جيدًا، وتناول طعامًا متزنًا، وتحرك
ولو قليلًا.
ابتعد عمّن يسخر من حزنك، فالسخرية لا تُداوي، بل تُعمّق الجرح.
امنح نفسك رحمة، لا تقسُ عليها باسم القوة، ولا تتجاهل حاجتك للاحتواء.
وقد لا يفهمك أحد…
قد تمرّ بك الأيام دون أن يلاحظ أحد أنك تتآكل من الداخل،
لكن وجودك مهم.
وحربك، مهما بدت صامتة، ليست عبثًا.
أنت لا تتظاهر بالقوة، بل تمارس أعظم أشكالها.
فأن تنهض كل يوم، وتُكمل، رغم كل ما فيك من انكسار،
هو دليل أنك ما زلت تحاول.
وهذه المحاولة وحدها… كافية لأن تُحترم.
وفي الختام،
إلى أولئك الذين يخوضون حروبهم في الخفاء،
إلى من يتألمون في صمت، ويبتسمون كي
لا يُقلقوا أحدًا،
إلى من ينهضون كل صباح رغم أن قلوبهم مثقلة،
إلى من لم يُصفق لهم أحد، ولم يُمسك بيدهم أحد…
أنتم الأبطال الحقيقيون.
صمودكم في وجه ما لا يُرى،
وثباتكم في وجه ما لا يُفهم،
هو أعظم مما تتخيلون.
ثقوا أن هذا الليل الطويل،
مهما اشتدّ ظلامه،
سيأتي بعده فجر…
يُشبهكم.
![]()
