الكاتبة عاليا عجيزة
في جنح الليل تستيقظ بصمت وهدوء تتجه للمغسل، للوضوء حيث؛ اقترب آذان الفجر بمجرد أن،
تنتهي تشم رائحة عطر جميلة؛ كأنها من الجنة برغم من، الهدوء الساكن حولها لتأخذ شهيقًا عميقًا بابتسامة على محياها.
لم يكن مجرد أريجٍ عابر، بل كان نفحةً سماوية اخترقت سكون الفجر لتستقر في أعماق روحها. وقفت أمام المرآة، قطرات الماء الباردة لا تزال تبلل أطراف وجهها، تلمع كحبات اللؤلؤ تحت ضوء المصباح الخافت. استنشقت تلك الرائحة مرة أخرى؛ لم تكن مسكًا عاديًا، ولا عطرًا من زجاجات الأرض، بل كانت رائحةً تشبه “الرضا”، تفوح بعبق السكينة التي لا يدركها إلا من استيقظ والكونُ غافق.
تحركت بخطى وئيدة نحو مصلاها، وسجادة الصلاة مفروشة في زاوية الغرفة كأنها واحة أمان. كانت الرائحة تزداد وضوحًا مع كل خطوة، تملأ رئتيها بطاقة غريبة، وكأن الملائكة قد حفت المكان بأجنحتها قبل نداء “الله أكبر”.
لم تشعر ببرودة الأطراف التي كانت تعتريها عادةً في هذا الوقت، بل سرى في جسدها دفءٌ غريب، ويقينٌ بأن الله معها، يسمع خفقات قلبها قبل همسات لسانها.
جلست تنتظر الأذان، وأغمضت عينيها لتستحضر عظمة اللقاء. وفي تلك اللحظة، صدح صوت المؤذن من المئذنة القريبة، شاقًا صمت الليل الرخامي: “الصلاة خير من النوم”. شعرت حينها أن الكلمات تلمس روحها مباشرة. رفعت يديها بتكبيرة الإحرام، وفي تلك اللحظة تلاشت الدنيا وما فيها؛ لم يعد هناك همٌّ يؤرقها، ولا حاجةٌ تضنيها، فقد أصبحت في ضيافة الخالق.
بين السجدة والسجدة، كانت رائحة العطر تذكرها بأن الجنة ليست مجرد وعدٍ بعيد، بل هي حالة يعيشها المؤمن في محرابه. حين سلمت عن يمينها وعن شمالها، وجدت محياها مشرقًا بنورٍ لا يراه سواها. قامت وهي تحمل في صدرها طمأنينة تكفي لمواجهة العالم بأسره، مدركةً أن تلك الرائحة كانت رسالة حب ربانية، تخبرها أن صبرها قد أزهر، وأن الفجر الحقيقي قد بدأ يشرق في قلبها قبل أن يشرق في السماء.
![]()
