الكاتب أنور الهاملي
يأتي شهر رمضان كضيفٍ كريمٍ يحمل في كفّيه نور الطمأنينة، وفي قلبه نفحات الرحمة. تتبدّل فيه الأيام، وتصفو الأرواح، وتلين القلوب بعد قسوة الانشغال وضجيج الحياة. هو شهرٌ تتعانق فيه السماء مع الأرض، وتُفتح فيه أبواب الخير لكل من قصدها بنيّة صادقة.
في رمضان، لا يكون الصيام امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو مدرسةٌ لتزكية النفس، وضبط الشهوات، وتعليم الصبر. يجوع الجسد قليلًا ليشبع القلب إيمانًا، ويعطش اللسان لحظةً ليَرتوي بالذكر والقرآن. ومع أذان المغرب، تتجلى لحظة الإفطار كأنها وعدٌ إلهيّ بالفرج بعد الصبر، وبالعطاء بعد الاحتمال.
وتزدان لياليه بصلاة التراويح، حيث تصطف القلوب قبل الأجساد، وتعلو أصوات القرآن فتلامس شغاف الروح. في البيوت دفءٌ خاص، وعلى الموائد بساطةٌ ممزوجة بالمحبة، وفي العيون بريق أمل بأن يكون هذا الشهر بدايةً جديدةً للتوبة والإصلاح.
رمضان ليس شهرًا عابرًا في صفحات العام، بل هو محطة مراجعة للنفس، وفرصة لإعادة ترتيب الأولويات، ومدّ جسور الرحمة بين الناس. فيه يتذكّر الغنيّ حاجة الفقير، ويشعر القويّ بضعف المحتاج، فتسري روح التكافل في المجتمع كما يسري النور في الفجر.
فطوبى لمن اغتنم أيامه، وأحسن استقباله ووداعه، وجعل منه نقطة تحوّلٍ في حياته. فربّ رمضانٍ غيّر قلبًا، وأصلح دربًا، وفتح بابًا من الخير لم يكن في الحسبان.
![]()
